للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بين المسلمين، حتى لا تبقى طائفة إلا وهي تكفر الأخرى المخالفة لها، بما تراه لازماً لقولها، وهذا باب لفساد عريض.

يقول ابن حزم: "وأيضاً فإنه ليس للناس قول إلا ومخالف ذلك القول ملزم خصمه الكفر في فساد قوله وطرقه. (١)

فالمعتزلة تنسب إلينا تجوير الله عز وجل وتشبيهه بخلقه، ونحن ننسب إليهم مثل ذلك سواء بسواء، ونلزمهم أيضاً تعجيز الله عز وجل، وأنهم يزعمون أنهم يخلقون كخلقه، وأن له شركاء في الخلق، وأنهم يستغنون عن الله عز وجل.

ومن أثبت الصفات يسمي من نفاها نافية، لأنهم قالوا: تعبدون غير الله تعالى، لأن الله تعالى له صفات، وأنتم تعبدون من لا صفة له، ومن نفى الصفات يقول لمن أثبتها: أنتم تجعلون مع الله عز وجل أشياء لم تزل وتشركون به غيره وتعبدون غير الله، لأن الله تعالى لا أحد معه ولا شيء معه في الأزل، وأنتم تعبدون شيئاً من جملة أشياء لم تزل ....

وكل فرقة فهي تنتفي بما تسميها به الأخرى، وتكفر من قال شيئاً من ذلك، فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله ونص معتقده، ولا ينتفع أحد بأن يعبر عن معتقده بلفظ يحسن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط ". (٢)

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة، وكل من لم يثبت بين الاسمين قدراً مشتركاً لزم أن لا يكون شيء من الإيمان بالله ومعرفته والإقرار به إيماناً، فإنه ما من شيء يثبته القلب إلا ويقال فيه نظير ما يقال في الآخر، ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ". (٣)


(١) ذكر المحقق أنه جاء في بعض نسخ الكتاب: (وطرده). ولعلها الأصوب.
(٢) الفصل (٣/ ٢٩٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٧).

<<  <   >  >>