للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لهم مّا يتّقون إنّ الله بكلّ شيءٍ عليم} (التوبة: ١١٥)، وقوله: {ومن يشاقق الرّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيراً}) النساء: ١١٥ (. فقد أخبرت الآيتان باستحقاق العبد العذاب بعد تبين الهدى له ومشاقته له، والجاهل إنما ضل عن الهدى، ولم يتبينه، لذا نال رحمة الله وعفوه.

وجاءت سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - توضح هذا المبدأ وتجليه في مواطن كثيرة، تبين أن الله يعذر المؤمن بجهله، فلا يؤاخذه لسوء فهمه وخطئه، بل يعذره حتى تقام عليه حجة الله، وأما قبل ذلك فلا يعذب ولا يكفر.

فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جهلت أمراً لا يسع المؤمن جهله، فأبانه لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كفرها ولا عاقبها، لأن الجهل عذر يقبله الله، فقد سألت رسول الله فقالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: ((نعم)). (١)

قال ابن تيمية: " وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار [بذلك] عند قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء ... فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها، ودلائل فساد هذا القول كثيرة في الكتاب والسنة ". (٢)

كما عذر اللهُ الرجلَ الإسرائيلي الذي جهل قدرة الله وبعْثه للخلائق، فغفر الله له جهله، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حاكياً خبره: ((كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا متّ، فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً. فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك. فغفر له)). (٣)


(١) رواه مسلم ح (٩٧٤)، النسائي ح (٣٩٦٢)، واللفظ له.
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤١٢ - ٤١٣).
(٣) رواه البخاري ح (٣٤٨١)، ومسلم ح (٢٧٥٦).

<<  <   >  >>