للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <  ص:  >  >>

وهذه براعة عجيبة للجاحظ: أن يتجه فكره في عصره إلى مثل هذه الطريقة التي لم تشهر ولم يعرف الاتجاه إليها في البحوث اللغوية والأدبية إلا منذ عهد قريب:

[الجاحظ يعقد فصلا للثغة]

هذه اللثغة الشنيعة التي كانت تقع لواصل، هي أقوى الدوافع التي دعت الجاحظ - وهو الذي نصب نفسه مدرهاً للمتكلمين وللمعتزلة بوجه خاص، أن يعقد في كتابه فصلا طويلا في اللثغة (١) يبين فيه أنها تقع في أربعة حروف، وهي القاف والسين واللام والراء، ولكل من هذه الحروف ضروب من اللثغ ولا سيما الراء فإن لها ضروباً أربعة، إذ تقلب ياءً كما يقال في عمر عمي، أو عيناً كما يقال عمغ، أو ذالا فتقول عمذ، أو ظاء فتقول عمظ، ثم يخص ضربا لها خامسا بالذكر لا يصوّر بالكتابة، وإنما سبيله المحاكاة والنطق، وهذا الضرب هو الذي كان يعرض لواصل بن عطاء، ولسليمان بن يزيد. قال الجاحظ في تلك اللثغة: «فليس إلى تصويرها سبيل».

وقد وجدت برهان الدين الوطواط في كتابه غرر الخصائص (٢) يزعم أن لثغة واصل. كانت بالظاء أخت الطاء، على حين لم يعين الجاحظ نوعها، وكأنها كانت حرفاً بين حرفين، أو مزيجاً من حروف. ولو كانت حرفاً واحداً لعينه الجاحظ، وهو من أقرب الناس به عهداً، وأخبرهم به علما.

[شهرة لثغة واصل]

قلت: إن لثغة واصل كانت أمراً متعالما، ذكرها كل من ترجم له، ونطقت بها آثار الشعراء. فهذا أبو محمد الخازن يقول من قصيدة مدح بها الصاحب إسماعيل بن عباد (٣):


(١) البيان: ٣٤ - ٣٧.
(٢) غرر الخصائص ص ١١٤.
(٣) وفيات الأعيان، ترجمة واصل، وكذا مسالك الأبصار، وقد سبقت الإشارة إليه.

<<  <   >  >>