للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إلى ربه - سبحانه وتعالى - نحو السماء لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، والمسلمون في سجودهم يقول القائل منهم: «سبحان ربي الأعلى» فلا يجد من قلبه إلا الاتجاه نحو السماء.

ويشهد لذلك ما جرى بين المُحَدِّثُ أَبُي جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيّ وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني حيث حضَر المُحَدِّثُ أَبُو جَعْفَرٍ الهَمَذَانِيّ فِي مَجْلِسِ وَعظِ أَبِي المَعَالِي الجويني، فَقَالَ: «كَانَ اللهُ وَلاَ عرش، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ» (١).

فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: «أَخْبِرْنَا يَا أسْتَاذ عَنْ هَذِهِ الضَّرُوْرَة الَّتِي نَجدُهَا، مَا قَالَ عَارِفٌ قَطُّ: يَا الله! إِلاَّ وَجَد مِنْ قَلْبِهِ ضَرُوْرَة تَطلب العلوَّ وَلاَ يَلتَفِتُ يَمنَةً وَلاَ يَسرَةً، فَكَيْفَ نَدفَعُ هَذِهِ الضَّرُوْرَة عَنْ أَنْفُسنَا؟»، أَوْ قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَك دوَاءٌ لدفعِ هَذِهِ الضَّرُوْرَة الَّتِي نَجدُهَا؟».

فَقَالَ: «يَا حَبِيْبِي! مَا ثمَّ إِلاَّ الحَيْرَة».

وَلطم عَلَى رَأْسِه، وَنَزَلَ، وَبَقِيَ وَقت عَجِيْب، وَقَالَ فِيمَا بَعْد: «حيَّرنِي الهَمَذَانِيّ» (٢).


(١) وهو نفس ما قاله المفتي في كتابه (ص٢١).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
وَقد رجع الجويني في آخر حياته عن هذا القول وغيره، قَالَ أَبُو الفَتْحِ الطّبرِيُّ الفَقِيْه: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي المَعَالِي فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: «اشَهِدُوا عَليَّ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْ كُلِّ مَقَالَةٍ تُخَالف السُّنَّة، وَأَنِّي أَمُوْتُ عَلَى مَا يَموتُ عَلَيْهِ عجَائِز نَيْسَابُوْر».
قال الذهبي: «هذا معنى قول بعض الأئمة: «عليكم بدين العجائز»، يعني أنهن مؤمنات بالله على فطرة الإسلام لم يَدْرِينَ ما علم الكلام».
انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٩١)، العلو للعلي الغفار، للذهبي (١/ ٢٥٨). شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (١/ ٢٠٩).

<<  <   >  >>