للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

يُفيد أن من خالفوا مالكًا في هذه المسألة إنما خالفوه عند التأصيل، وعمِلُوا بها في فروعهم، فقد نقل الشوكانيّ عن القرطبيّ أنه قال: سدّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا. انتهى (١).

ولقد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه البديع "إعلام الموقّعين"، فأجاد، وأفاد، ودونك نصّه، قال رحمه الله تعالى:

[(فصل في سد الذرائع)]

لَمّا كانت المقاصد لا يُتَوَصَّل إليها إلا بأسباب وطرق، تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها، معتبرة بها، فوسائل المحرَّمات والمعاصي في كراهتها، والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها، والإذن فيها، بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغايات، وهي مقصودةٌ قصدَ الوسائل.

فإذا حَرَّم الرب تعالى شيئًا، وله طُرُقٌ ووسائل، تفضي إليه، فإنه يُحَرِّمها، ويمنع منها؛ تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يُقْرَب حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمتُهُ تعالى، وعلمُهُ يأبى ذلك كلَّ الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا مَنَع جنده، أو رعيته، أو أهل بيته من شيء، ثم أباح له الطرُق، والأسباب، والذرائع الموصلة إليه، لعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضدُّ مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حَسْمَ الداء، منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فَسَد عليهم ما يَرُومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومن تأمل مصادرها ومواردها، عَلِمَ أن الله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سَدَّ الذرائع المفضية إلى المحارم، بأن حرَّمها، ونَهَى عنها، والذَّرِيعة ما كان وسيلةً وطريقًا إلى الشيء.


(١) راجع: "أحكام القرآن" ٢/ ٧٤٣، و"إرشاد الفحول" ص ٢١٧.