للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون.

وهذا قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلًا كوائل بن جر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وأشباههم ممن وفد عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يقم إلا أيامًا قلائل ثم انصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الاثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل، فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها يظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع ومجموعها يرجع إلى وجوه:

أحدها: ثناء اللَّه عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال اللَّه تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}. . . الآية (١).

والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان: من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، قاله جماعة من المفسرين، قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المنافقين في غزوة تبوك؛ فأتبع اللَّه تعالى ذلك بفضيلة الصحابة الذين غزوا معه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام فقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} الآية (٢) فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم فشملت الآية جميع الصحابة، وقد أخبر اللَّه سبحانه وتعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه لزمه


(١) التوبة: الآية ١٠٠.
(٢) التوبة: الآية ١٠١.

<<  <   >  >>