للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

[٤ - مفهوم الحكمة في الدعوة]

بما أن الدعوة إلى الله عز وجلَّ هي مهمة الرُّسلِ والأنبياء وورَثَتُهم من العلماء العاملين، والربانيين الصادقين، وخُلَّص عباده المؤمنين، كان من الطبيعي أن تكون دعوتهم مقترنة بالحكمة التي تُرغِّب وتجذبُ المدعوين إلى تلك الرسالة التي يُدعون لها، فتتغير طباعهم، وتعتدل مسالكهم، ويصح توجيههم.

ولذلك كان النداء الإلهي بهذا الأسلوب الرفيق الحاني: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ... ). [سورة النحل: ١٢٥]

أي: ادع الناس إلى دين ربك وشريعته بالقول المُحْكَم الصحيح الموضِّح للحق، المزيل للباطل، مع تلطف ولين، بعيداً عن المخاشنة والتعنيف؛ ليقع في النفس أجمل موقع.

وأضاف-سبحانه-السبيل إليه؛ للإشارة إلى أنه الطريق الحق، الذي من سار فيه سعد وفاز وأفلح ونجح، ومن انحرف عنه شقي وخسر.

وأصل الحِكْمة مأخوذ من الحكَمَة - بفتح الكاف والميم - وهو ما يوضع للدابة من حديدة بحنكها كي يُذلّلها راكِبُها فيمنَعُ جِمَاحَها. ومنه اشتقت الحِكْمَة قالوا: لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. (المصباح المنير ١/ ٢٠٠)

وأجمل وأصح ما قيل في تعريف الحكمة: "أنه وضع الشيء في محله" [فتح الباري للحافظ ابن حجر ٧/ ٢٠٥].

والحكمة: مفتاح القلوب، وطريق ميسَّر إلى النفوس، بل هي نور يقذفه الله -سبحانه وتعالى-في قلب العبد على قدر تضحيته وثباته، وهي عطاء من الله عز وجل بعد أخذ الأسباب. قال الله سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف} [سورة يوسف آية ٧٦] أي: علمناه الحكمة بوضع صواع الملك في وعاء أخيه ويبدأ بالتفتيش بوعاء الآخرين، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ومن حُرِمَها فقد حُرِم خيراً كثيراً.

والحكمة -بلا شك-تحتاج إلى تمرين وتدريب وتعليم وصحبة ممن سبقوا وجالوا في ميدان الدعوة إلى الله، وتحتاج إلى دراسة وتحليل لحياة الأنبياء -عليهم السلام-في الدعوة إلى الله، وكذلك أتباع الأنبياء -عليهم السلام-.

أما في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم-ففيها الكثير من مواقف سادت فيها الحكمة، والأمثلة كثيرة اخترت لكم منها واحدة:

فها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حين قسم غنائم حنين قسَّمها في المهاجرين من الطلقاء، ولم يُعط الأنصار شيئاً، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك شيء، وقالوا: إذا كانت الشدائد فنحن نُدعى، ويعطي الغنيمةَ غيرنا.

وهنا تجلت حكمة رسول الله في حلّ هذا الموقف العصيب، الذي قد يكون سبباً لتباغض وشق الصف ..

تأملوا حكمة رسول الله في هذا الموقف الجليل الذي يحتاج لتدخل وحلٍّ سريع .. !

بلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أُعد لهم، ولم يدعُ معهم أحداً غيرهم، ثم قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

«يا معشر الأنصار، مَا قَالَةٌ بلغتني عنكم؟! ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي»، (كلما قال لهم من ذلك شيئاً قالوا بلى، اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ)، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنُّ والفضل. فقال صلّى الله عليه وسلم: «أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ: أتيتنا مُكذّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك»، فصاحوا: بل المنُّ علينا لله ورسوله.

ثم تابع رسول الله صلّى الله عليه وسلم قائلاً: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لُعَاعَةٍ -اللعاعة: بقلة خضراء تستهوي العين، شبّه بها الدنيا-من الدنيا تألّفت بها قوماً ليسلموا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكتُ شعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهمَّ ارحمِ الأنصارَ وأبناءَ الأنصارِ وأبناءَ أبناءِ الأنصار». [رواه البخاري ومسلم، وابن إسحاق، وابن سعد، بنصوص متقاربة في الزيادة والنقصان.]

فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا رضينا بالله ورسوله قَسْمًا وَنَصِيبًا». [رواه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة].

لقد أراد الشيطان بجماعة من الأنصار أن يتصوروا أن النبي صلّى الله عليه وسلم قد أدركته محبة قومه وبني وطنه فنسي في جنبهم الأنصار!

لكن حكمة رسول الله في دعوته، وحكمته في خطابه استطاع أن يُذهب عنهم هذه الوساوس، فقال كلمات تفيض بمعاني الرّقة والذوق الرفيع، ومشاعر المحبة الشديدة، ولقد لا مست هذه الرّقة والخفقات مشاعرهم فهزتها هزاً، ونفضت منها ما كان قد علق بها من الوساوس والهواجس، فارتفعت أصواتهم بالبكاء فرحاً بنبيِّهم، وابتهاجاً بقسمتهم ونصيبهم.

وهكذا شأن من يحمل لواء الدعوة إلى لله لا بُدَّ أن يكون حكيماً فطناً لكل حَدَث، يتحلّى دائماً بطول الأناة والصبر، وبذلك يجني ثمرة سعيه وجهاد نفسه في سبيل تثبيت دعائم الحق وهداية الناس بالتي هي أحسن، لذلك قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا .. } [سورة البَقَرَة: ٢٦٩] لأن الإنسان إذا أوتي الحكمة يكون قد اهتدى إلى العلم النافع، فيكون سراجاً منيراً لكل من انحرف عن طريق الجادة الصحيحة؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ - أي لا غبطة- إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [متفق عليه]

<<  <   >  >>