للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

ويباح الكذب في مواضع: منها الجهاد لتفريق كلمة الكفار، وكذا الفسقة، المجاهرين عند الأمن من شرورهم.

ثم الكذب في الذب عن مال مسلم، وعرضه، من ظالم.

ثم الكذب في ستر معصيته أو معصية غيره.

ثم الكذب في إصلاح ذات البين.

ثم الكذب في إجبار قلب المرأة والولد.

وبالجملة فالكذب لا يباح لجلب نفع مجرد وإنما يباح لدفع ضرر إذا كان أعظم مفسدة منه.

وفي المعاريض مندوحة، فقد كان بعض السلف إذا طلب في البيت وكان هناك يقول لأهله: قل لهم: اطلبوه في المسجد وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يأمر جاريته بذلك. ولن يبلغ العبد حقيقة الصدق حتى يصدق حيث لا ينجيه إلا الكذب.

ويعين على الصدق في القول، قراءة: إنا أنزلناه في ليلة القدر كما أشار إلى ذلك أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ونفعا به، بمنه وكرمه.

الفرع الثاني

الغيبة

وأما الغيبة، فهي ذكرك أخاك بما فيه مما يكره لو سمعه، وفي الحديث، أنها أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، وفي الكتاب العزيز ذمها وتشبيهها بأكل لحم الميتة.

وأعظمها ما يترتب عليه حكم، كأن تكون بقذف ونحوه، ثم ما يترتب عليه ثلم، كالأفعال المخلة بالمروءة، والدين، ثم ما يكون صفة للشخص، كالعرج، والعور، ونحوه مما لا يكتفي في تعريفه بدونه، ثم ما يكون راجعا لمتعلقاته، كبيته، وكلبه، ودابته، ونسبه وثوبه، إلى غير ذلك.

وتباح في الرواية، والشهادة تعديلا وتجريحا، وفي المشاورة تحذيرا وتحرزا، وفي الاستفتاء، والخصومات، والتكلم في حق المجاهر بالبدع والكبائر، فيما جاهر به.

وقال عليه الصلاة والسلام في المشاورة له في النكا: (أبو الجهم ضراب ومعاوية صعلوك) ولم ينكر على هند لما استفت في أبي سفيان وتكلمت عنده أن أبا سفيان رجل شحيح، وقال عليه السلام: (من ألقى جلباب الحياء من وجهه فلا غيبة فيه) فهؤلاء تباح غيبتهم إلا إن ذكرهم اشتغالا بعيبهم، فليتق المؤمن من ذلك، فإنه نقص، وإن لم يكن حراما، وقال عليه السلام: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس) ومن أقبح الغيبة ذكر عيب أخيك بإظهار الشفقة عليه، فيحصل المقصود من غير تهريج، فيقال: مسكين فلان، لقد أساءني حاله، وغمني ما هو عليه، إلى غير ذلك.

وذكر رجلين ما اطلعا عليه من رجل ليس بغيبة، وكذا ذكر غير معين، ولا محصور بأهل بلد وقرية، ووجه الخلاص من الغيبة: بذكر قبحها، وذكر عيبك، وأن المغتاب عاجز عن إصلاح نفسه، كعجزك.

وقال عليه السلام: (من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته فيفضحه، ولو في جوف بيته) وجاء: (لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك) . وقال بعض العلماء: (الغيبة صاعقة الدين وهي بساتين الملوك، ومراتع النساء، ومزبلة المتقين، وفاكهة القراء، وإدام كلاب الناس) وقال إبراهيم بن أدهم، رضي الله عنه: (صحبت أكثر رجال الله بجبل لبنان، وكانوا يقولون: يا إبراهيم إن رجعت إلى أبناء الدنيا فأعلمهم أن من يكثر الأكل لا يجد للطاعة لذة، ومن يكثر النوم لا يجد للعمر بركة، ومن يكثر الكلام بفضول أو غيبة، فلا يخرج من الدنيا على السلامة) .

وقول الرجل لصاحبه عند نهيه عن الغيبة: ما قلت إلا ما فيه، كفر، أو قريب من الكفر إن اعتقد حليته، بعد العلم بتحريمه، والله أعلم.

الفرع الثالث

الفضيحة

وأما الفضيحة فأربعة أنواع: سعاية، وبهتان، ونميمة، وإفشاء سر.

فالسعاية: النقل للظلمة على وجه الإذابة، وقد بحث عن فاعلها فلم يوجد قط إلا ولد زنى. وسعى رجل بمال يتيم إلى ابن عباد الأندلسي، فأجابه: المال ثمره الله، والولد أصلحه الله، والنمام لعنه الله.

والبهتان: ذكر ما في المرء المسلم، في وجهه حتى يبهت إذا لم يجد مخلصا. وما ليس فيه مما يوجب ذلك، هو البهتان العظيم، وقد تقدم.

والنميمة: نقل الحديث للغير على وجه الإفساد، وقد قال عليه السلام: (لا يدخل الجنة قتات) وهو النمام، يعني لا يدخلها في أول السابقين، وحديث: إن هذين يعذبان مشهور.

وإفشاء السر: ضابطه: كل ما حدثت به مما تظن إفرادك به، ولا يجوز لك إفشاؤه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (المجالس بالأمانات) .

<<  <   >  >>