للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنُزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانًا، فقالوا: لو قصصت علينا، فنزل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: لو حدثتنا، فأنزل: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} (١) [الزمر: ٢٣].

وكان صلى الله عليه وسلم دائم التذكير لأصحابه، ولأمته من بعده، بضرورة اللقاء المستمر مع القرآن تأمل قوله: «اقرءوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» (٢).

[التشديد النبوي على ضرورة فهم القرآن]

وكان صلى الله عليه وسلم يخشى من تحول اهتمام الصحابة بالقرآن إلى لفظه دون معانيه، ودون الاغتراف من منابع الإيمان التي تحتويها آياته، لذلك كانت توجيهاته صلى الله عليه وسلم بضرورة تعاهد القرآن والانشغال به مع ضرورة أن يصاحب ذلك الفهم والتأثير ليتحقق المقصد العظيم من التلاوة {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: ٢].

ويكفيك في هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام معللا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث». (٣)

وعندما قال صلى الله عليه وسلم يوما لبعض الصحابة: «من قرأ القرآن في سبع ليالٍ كتب من المخبتين» قالوا: فمن قرأه في خمس يا رسول الله؟ قال: «إني أخاف أن يعجلكم عن التفهم، إلا أنه تصبروا على مباكرة الليل، فمن فعل كُتب من المقربين».

قالوا: ففي ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا أراكم تطيقون ذلك، إلا أن يبدأ أحدكم بالسورة وأكبر همه أن لا يبلغ آخرها» قالوا: فإن أطقناه على تفهُّم وترتيل، قال: «فذلك الجهد من عبادة النبيين» قالوا: ففي أقل من ثلاث يا رسول الله؟ قال: «لا تقرءوه في أقل من ثلاث» (٤).

[الصحابة والقرآن]

استقبل الصحابة القرآن استقبالا صحيحًا، وذاقوا حلاوته، وأدركوا أهميته القصوى في التذكير، والتوجيه، وزيادة الإيمان، وتوليد الطاقة الدافعة للعمل لذلك انشغلوا به وأعطوهُ جُلَّ أوقاتهم.

فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يسأله البعض عن سبب إقلاله من صيام التطوع فيقول: إن الصوم يضعفني عن قراءة القرآن. (٥)

وهذا عبد الله بن عباس يحكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- أنه كان إذا دخل البيت نشر المصحف فقرأ فيه.

أما أسيد بن حضير رضي الله عنه فكان يقرأ ويقرأ لدرجة أن فَرَسَه كان يهتز ويهتز، فخاف على ولده الذي كان بجوار الفرس، فقطع قراءته، وأسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بالأمر، فقال له صلى الله عليه وسلم: «اقرأ أسيد فإن الملائكة لم تزل يستمعون صوتك فلو قرأت أصبحت ظُلة بين السماء والأرض يترآها الناس فيها الملائكة». (٦)

وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ذكرِّنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون. (٧)


(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٥/ ٣٣٤٧ - طبعة دار الريان.
(٢) صحيح الجامع الصغير (١١٦٨).
(٣) السلسلة الصحيحة (١٥١٣).
(٤) أورده الغافقي في لمحات الأنوار (١٨٠٢).
(٥) شعب الإيمان للبيهقي.
(٦) رواه الطبراني.
(٧) التحفة العراقية في الأعمال القلبية لابن تيمية.

<<  <   >  >>