للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وقال السخاوي:" غير أنه يغتفر في الطلب ما لا يغتفر في الأداء ... " انتهى (١) .

والناظر في شيوخ كل من الفريقين يجد بوناً شاسعاً، فأهل السير أكثروا الرواية عن المجهولين والمجروحين، ويكفي أن نطالع كتاباً من كتبهم لتجد هذا الأمر واضحاً، ويكفي أن تراجع شيوخ الواقدي لتعلم صدق هذا الأمر، بخلاف غالب المحدثين الذين يعتنون بانتقاء الأسانيد والشيوخ.

والرابع: كثرة الأحاديث التي انفرد بها المصنفون في التأريخ والسير، وغرابتها، وهذا مما يؤثر عادة في صاحبه، ذلك أن كثرة الأخبار الغريبة في حديث الراوي سبب من أسباب ضعفه، قال مالك: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وقال عبد الرزاق: كنا نرى أن غريب الحديث خيٌر فإذا هو شرٌ، وقال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء، وعن أبي يوسف القاضي قال: من اتبع غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق (٢) .

بل إن الراوي الثقة إذا ذهب إلى غير بلده استحب له أن يتجنب رواية الغرائب، حتى لا يتهمه أولئك بالكذب، لأنهم قد لا يعرفونه، ولا يعلمون صدقه وثقته كما يعرفه أهل بلده، فإذا سمعوا منه تلك الغرائب ربما اتهموه بالتزيد والكذب، أو بالغفلة والخطأ، أخرج البخاري في صحيحه عن


(١) فتح المغيث ٢/٧٣، وتدريب الراوي ٢/١٤٨.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ١٤٠-١٤٢.

<<  <   >  >>