للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.

قال النووي: «قال العلماء لم يكن سؤال عمر وكلامه المذكور شكاً بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين». (١)

ونقل هذا أيضاً ابن حجر عن بعض شراح الحديث. (٢)

فعمر كان في هذا مجتهداً حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله من المشورة وإبداء الرأى، امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ (٣) وقد كان كثيراً ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال (٤)، في حوادث كثيرة يطول ذكرها.

فقد كان عمر يطمع أن يأخذ رسول الله برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه.


(١) شرح صحيح مسلم ١٢/ ١٤١.
(٢) انظر: فتح البارى ٥/ ٣٤٦.
(٣) سورة آل عمران من الآية ١٥٩.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٠ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾.

<<  <   >  >>