للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الوجه الرابع: ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب قال: (كتب علي أبي طالب الصلح بين النبي وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله، فقالوا: لاتكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي : امحه، فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي بيده). (١) وفي بعض الرويات أن علياً قال: (والله لا أمحاه أبداً .. ). (٢)

فما ثبت عن علي هنا نظير ما ثبت عن عمر في مراجعته رسول الله في أمر الصلح فإذا لم يكن في هذا مطعن على

علي وهو الحق، لم يكن فيما ثبت عن عمر مطعن عليه، فإن قال الرافضي إنما منعه من محو كلمة (رسول الله) محبته لرسول الله وتعظيمه، قلنا: وإنما حمل عمر على ما فعل نصرته لرسول الله وإعزاز دينه.

الوجه الخامس: أن الباعث لما صدر من الصحابة يوم الحديبية هو شدة حرصهم على الخير ورغبتهم في الأجر، يشهد لهذا أن الذي أرادوا كان أشد عليهم في الدنيا مما أريد منهم، فعمر كان يريد القتال ومناجزة الكفار، وما أراده الرسول من أمر الصلح كان أهون عليه وأسلم، وكذلك الصحابة لما تأخروا في بداية الأمر عن النحر والحلق إنما أرادوا إكمال النسك، وما أمرهم به الرسول من التحلل في مكانهم كان أيسر عليهم وأسهل، وإن كنا لا نشك أن ما أراده الرسول وأمرهم به هو أكمل لهم وأفضل في الدنيا والآخرة، لكن المقصود هنا هو حسن نياتهم، وصدق رغباتهم فيما عند الله والدار الآخرة، وهذا بخلاف من أراد الدنيا، كمثل حال المنافقين الذين يتثاقلون عن الجهاد، وأعمال البر


(١) رواه البخاري في (كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ابن فلان .. ) فتح الباري ٥/ ٣٠٣، ح ٢٦٩٨، ومسلم (كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية) ٣/ ١٤٠٩، ح ١٧٨٣.
(٢) أوردها البخاري في كتاب (الجزية، باب المصالحة على ثلاثة أيام) فتح الباري ٦/ ٢٨٢، ح ٣١٨٤، ومسلم في الكتاب والباب السابقين ٣/ ١٤١٠.

<<  <   >  >>