للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال فيه ابن حجر: إنه ثقة حافظ١. كما أن النووي لم يقتصر في نقله عن أبي مجلز وحده، بل نقله أيضاً عن أبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

ويتلخص مستند هذا الفريق في الاستدلال بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . ووجه الدلالة، أن من شهد الشهر حاضراً مقيماً وجب عليه صومه، ولفظ الشهر يطلق على الكل وعلى البعض، فيكون المعنى، فمن شهد منكم الشهر -كله أو بعضه- حاضراً مقيماً صائماً فإنه يجب عليه تكملة صيامه سواء أكمله حاضراً أم مسافراً.

ولكن الجمهور: يرون أن المعنى أن من أدرك الشهر أي حضره كله حاضراً غير مسافر وجب عليه صومه. وأما المسافر فله حكم آخر جاء به في الجزء التالي في الآية، وهو قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الآية٢.

ولكني أرى -والله أعلم- أن المعنى: أن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه سواء شهده مقيماً أو مسافراً، صحيحاً أو مريضاً، ثم استثنى الله سبحانه وتعالى من هذا العموم المريض والمسافر واختصهما بحكم خاص بهما، وهو إباحة الفطر لمن شاء منهما على أن يقضيه بعد ذلك في أيام أخر.

وهذا المعنى وإن كان يتفق مع المعنى الذي قصده الجمهور. لكنه يختلف عنه من حيث الدلالة فإن الآية على تقدير الجمهور: نزلت بحكمين مختلفين كل جزء منها نزل بحكم خاص منقطع الصلة عن الجزء الآخر، الجزء الأول نزل بحكمٍ للمقيم والصحيح، والجزء الآخر نزل بحكمٍ للمسافر والمريض. مع أن لفظ (من) في قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ} بفيد العموم، و (شهد الشهر) بمعنى حضره أي أدركه، وكل حي موجود يدرك هذا الشهر لا فرق بين مقيم ومسافر وصحيح ومريض، فمن أين لهم قصر معنى (من) على بعض الأفراد وهم المقيمون دون غيرهم ممن أدرك الشهر.

ويمكن أن يعتذر لهم بأنهم لجأوا إلى هذا التقدير ليتفقوا مع ما قاله أهل اللغة في الآية، فقد جاء في لسان العرب: تعليقاً على الآية السابقة: "معناه: من شهد منكم المصر في الشهر -لا يكون إلا ذلك٣- لأن الشهر يشهده كل حي فيه، قال الفراء: الشهر نصب بنزع الصفة ولم ينصب بوقوع الفعل عليه، المعنى: فمن شهد منك في الشهر أي كان حاضراً غير غائب في سفرة"٤ والتكلف هنا ظاهر.


١ تقريب التهذيب ج ١ ص ٥٠٥.
٢ تفسير فتح القدير للشوكاني ج١ ص١٨٢ درا المعرفة ببيروت.
٣ الإشارة إلى المعنى الذي قدره.
٤ لسان العرب ج٤ ص٢٢٧ مادة شهد.

<<  <  ج: ص:  >  >>