للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الموقف من قبيلتهم وحلفائها، لأنهم قصدوا به إلى التكفير عما ارتكبته من خطأ جسيم حين أيدت المعاهدة التي عقدت بين عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج، وارتضت ما اقترحاه على هشام بن عبد الملك من شروط حتى يظلا تابعين لحكومته، طائعين لسلطته، كما أنهم لجوا في انتقادهم للحارث بن سريج، الذي ينتسب إلى قبيلتهم، ليتبرأوا من جرائمه، ويتحللوا من مسؤولية مخالفته لخاقان، واشتراكه معه في محاربة العرب بخراسان.

ولم يحفظ القدماء شعرا كثيرا في غزوة نصر بن سيار آخر ولاة خراسان لما وراء النهر، بالقياس إلى ما حفظوه من أشعار غزيرة في غزوات الولاة السابقين، مع أنه شن حملة قوية على سمرقند والشاش وفرغانة، وقتل كورصول خليفة خاقان. فكل ما عثرنا عليه من الشعر الذي قيل في حملته الناجحة بيتان لأبي نميلة صالح بن الأبار، هتف بهما عند رجوع نصر سالما بعد أن قاومه كورصول التركي مقاومة عنيفة، ومنعه من عبور نهر الشاش، وهو يقول فيهما١:

كنا وأوبة نصر بعد غيبته ... كراقب النوء حتى جاده المطر

أودى بأخرم منه عارض برد ... مسترجف بمنايا القوم منهمر٢

وصفوة القول في الأشعار التي لهج بها الشعراء في الوقائع الحربية بخراسان وطخارستان والختل، وخوارزم، وبخارى، وسمرقند، والشاش، وفرغانة، أن تيار العصبية يلتقي فيها بتيار القومية التقاء ضعيفا متقطعا، فإن الفردية والقبلية والحزبية هي الصفات الغلابة عليها، والظواهر المميزة لها. وهي صفات وظواهر تتضح بصورة عامة في اعتداد الشعراء الفرسان ببطولاتهم في القتال، وأدوار قبائلهم وحلفائهم في النضال. ولكنها تظهر بقوة عند شعراء الأزد وبكر وعبد القيس، فقد رأينا كعبا الأشقري، وثابت قطنة الأزديين يكبران أعمال يزيد بن المهلب، وأخيه المفضل، وأسد القسري تكبيرا استعراضيا أرادا به على أقل تقدير إحداث شيء من التوازن بين


١ الطبري ٩: ١٦٩٣.
٢ أخرم: فارس تركي، ومسترجف: خافق مضطرب.

<<  <   >  >>