للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أما النجاشي فإن إيمانه أيضاً عجيب! هذا الرجل البعيد عن أرض العرب، والذي لا يعرف هذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا قومه، وإنما جاءه جماعه مهاجرة منمكة خرجت من اضطهاد القوم وأذاهم وتعذيبهم، وليس كل الذين هاجروا إِلَى الحبشة كَانَ سبب خروجهم وقوع الأذى عليهم؛ فعثمان -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وبعض الأشراف لم يخرجوا؛ لأن هناك أذىً مباشراً وقع عليهم؛ لكنهم خرجوا لأنهم لم تحتمل نفوسهم أن يرو الحق ويعتقدوه، ومع ذلك يكذبهم قومهم ويتهمونهم بالسفاهة، فأخرجهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هنالك.

وكان في ذلك الخروج حكمة عظيمة غير مسألة أنهم يفرون بدينهم ليعبدوا الله، وهي: أن البيوت المكية تتضعضع وتتزعزع فيأتي الإِنسَان إِلَى بيت، فَيَقُولُ: لماذا خرج فلان؟ قَالَ: لأنكم عذبتموه، ولم تجعلوه يدين بالحق.

فهذا يخرج ابنه، وهذا يخرج عمه، وهذا يخرج أبوه، وهذا تخرج زوجته، شيءٌ لا تطيقه النفوس، فحينئذ الضمير الداخلي يهتز، ويقولون لأنفسهم: ولِمَ لا ندعهم يدينون بما شاؤا؟ لِمَ لا ندعهم أحراراً يتعبدون كما شاؤا ويبقون في بلادهم؟.

<<  <   >  >>