للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

معظم المشتغلين في فلسفة الحضارة على مقولة ابن خلدون بأن "من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم" (١)، لأن هذا الانغماس يشوّه الخصائص النفسية لرجل الحضارة الفعّال القادر على توجيه التاريخ، وقد لاحظ ابن خلدون أن أظهر الفوارق بين أهل الحضر وأهل البادية أن "البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم .. " (٢). والعجز غير الإرادي عن العناية بحاجات الترف بسبب من الفقد أو القلة القسريين، يلازمه قدرة صافية عالية على تفعيل الإرادة والتحكّم الذاتي، وتلك هي المهارات اللازمة لتوجيه طاقات الإنسان الداخلية والخارجية نحو الهدف، والتي تختلّ أو تذوي مع الانخراط في مجتمع الوفرة. بعد دراسة مستفيضة يؤكد توينبي أن "السهولة عدو الحضارة" (٣)،

بل إن "الحضارة تقوم على الزهد أو التعفف عن إشباع الغرائز، وإن وجودها مشروط باللاإشباع، بالكبت الإرادي أو اللاإرادي للمتطلبات الغريزية القوية"،


(١) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، ١/ ١٧٥.
(٢) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، ١/ ١٥٢. يستشهد توينبي على هذا المعنى بالقصة الصغيرة التي كتبها تشاربلس كنجزلي الفيكتوري، وتدعى: "تاريخ أمة افعل ما تشاء العظيمة المشهورة" تلك الأمة التي وفدت من بلد "العمل الشاق" لأن أفرادها رغبوا في العزف على العود طوال اليوم، فكان جزاؤهم مسخهم قردة. والقصة في الحقيقة تعبير رمزي عن الفساد الناجم عن الراحة، والحرية المقيتة. ينظر: توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، ١/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٣) توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، ١/ ١٤٧ ..

<<  <   >  >>