قال أبو جعفر: وكان حديث ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية المتلوة في حديثه، وكان حكم من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك من ولاة الأمور مثل الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - منها في كل واحد من هذين القولين اللذين ذكرناهما، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكم بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراض عنهم، لأنهم إذا حكموا بينهم، شهد لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك، لأن من يقول: إنهم حكموا، وعليهم أن يحكموا به، يقول: قد أدوا المفترض عليهم في ذلك، ويقول الآخرون: قد حكموا بما لهم أن يحكموا به، وخرج الحكام بذلك عندهم من ترك مفترض إن كان عليهم فيه، وإذا أعرضوا عنهم وتركوا الحكم بينهم، فأحد الفريقين يقول: قد تركوا مفترضاً عليهم، والفريق الآخر يقول: قد تركوا ما لهم تركه، وكان ما يوجب النجاة لهم عند الفريقين جميعاً، أولى مما يوجب لهم النجاة عند أحد الفريقين، ولا يوجبه لهم عند الفريق الآخر. هذا لو لم تكن الآية منسوخة، فإذا وجب بحديث ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده، وحسن سياقته أن تكون منسوخة بالآية التي تلونا بعدها، كان الحكم بينهم أولى، وكان التمسك بها أحرى.