للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح لضرورة لا يسمى حراما، وقد تأوله لقوله تعالى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ١ فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله تعالى أعلم.

قال الحافظ: وما تضمنه كلامه من أن الحرام يباح ولا الأمر واجب غير مسلَّم، فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر مثلا.

وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوي به لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". رواه أبو داود من حديث أم سلمة، فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يردُّ قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر "إنها ليست بدواء، إنها داء" في سؤال من سأل عن التداوي بها فيما رواه مسلم، فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجرُّ إلى مفاسد كثيرة، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها، فلما حرِّمت نزع الله الدواء منها، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن عباس –رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم". والذَّرب- بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها٢.


١ من الآية (١١٩) من سورة الأنعام.
٢ انظر ابن حجر، فتح (١/٣٤١-٣٤٢) ، والشامي، سبل (٦/١٨٧-١٨٨) .

<<  <   >  >>