للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سلامه إلى رسوله، وهما دلالتان واضحتان مثلهما جائز في إبان النبوة١.

وقال ابن بطال: "هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته، فأما من يدَّعي وقوع ذلك اليوم بين ظهراني المسلمين فلا وجه له، إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم؟ ولو لم يكن في تجويز ذلك إلاّ أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي، والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة، إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا، مثل أن يكرم الله بإجابة دعوة في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي، ومن ذلك حماية الله تعالى عاصمًا لئلا ينتهك عدوه حرمته"٢.

قال ابن حجر: "والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانًا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا، لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك، وهذا أعدل المذاهب في ذلك، فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والماء، والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جدًّا حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة، فانحصر الخرق الآن فيما قاله القشيري، وتعيين تقييد قول من أطلق أن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له من ذلك يكون من أولياء الله تعالى، وهو غلط ممن يقوله بأن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب،


١ انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥١١-٥١٢) .
٢ انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٨٣) .

<<  <   >  >>