للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهو أيضًا معنيٌّ ببيان علاقة دلالات هذا النظم بالسياق القريب والبعيد، وهذا مردّه أنَّه يعدّ النظم الترتيبيّ أعلى منزلة في تدبّر تناسب القرآن الكريم من النظم التركيبيّ، ويعدّ الوقوف عليه مما يختص به الأئمة من أهل العلم أمَّا النظم التركيبي القائم ببناء الجملة فذلك مما يتيسر الوقوف عليه وإتقان فهمه لكثير

يقول وهو بصدد بيان موضوع علم التناسب:

" وموضوعه أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيثُ الترتيبُ

وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتياط والتعلّق الذي هو كلحمة النسب " (١)

ويقول: " بهذا العلم - أي علم المناسبات - يرسخ الإيمان في القلب، ويتمكنُ من اللبّ، وذلك أنّه يكشفُ أنَّ للإعجاز طريقين:

أحدهما نظم كلّ جملة على حيالها بحسب التركيب.

والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب

والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقًا ... " (٢)

لعلَّ سهولة تأويل النَّظم التركيبيّ في بناء الجملة بالنِّسبة إلى تأويل النظم الترتيبيِّ للجمل المركبة في بناء الآية من أسبابه أنَّ النظم التركيبي مرجعه موضوعيّ من العلاقات النحوية بين معاني الكلم، وهو ما أطلق عليه عبد القاهر النظم (٣)


(١) - نظم الدرر: ج:١ ص: ٥
(٢) االسابق:١ /١٠-١١
(٣) - إذا ما كانت عناية عبد القاهر بالعلائق النحوية في بناء الجملة عناية جلية بالغة فليس معنى هذا أنه كان بالواقف عند ذلك غير متجاوزه أو الذاهب إلى أنّه ليس من وراء هذا المستوى من التعلق بين مكونات الكلام مستوى آخر بل إنك إذا نظرت في كتابه: (دلائل الإعجاز) رأيت موقفا له من بيان للجاحظ في مقدمة كتاب الحيوان يقول فيه: ((جنبك الله الشبهة وعصمك من الحيرة ... إلخ))
لم يجعله من النظم الذي تجب به الفضيلة (دلائل: ص٩٧-٩٨) على الرغم من أنّ كلّ جملة قائمة من نظم تركيبي عالٍ توخي فيها معاني النحو فيما بين معاني كلمها، وإن افتقرت فيما بين الجمل إلى النظم الترتيبي الذي عماده السياق والغرض المنصوب له الكلام فأنت تملك تقديم جملة على جملة دون ان يتهدم البناء.

<<  <   >  >>