للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هل لها حكم واحد أم لا فنقول ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين، فمنها بدعة محرمة ومنها بدعة مكروهة (١) وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات لا تعدو الكراهة والتحريم فالبدع كذلك. هذا وجه.

ووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} الآية، وقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء} وقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح، ومنها ما هو من المعاصى التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة، ومنها ما هو معصية ويتفق عليها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع، ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في خطبة الجمعة - على ما قاله ابن عبد السلام الشافعى - وما أشبه ذلك.

فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة فلا يصح مع هذا أن يقال إنها على حكم واحد هو الكراهة فقط أو التحريم فقط.


(١) مقصوده بالكراهة هنا التحريمية، وسيأتي من كلامه بيان خروج البدعة المكروهة تنزيهياً عن حكم البدع، وإنما غرضه هنا بيان تفاوت رتب البدع فحسب.

<<  <   >  >>