للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان القول بالقدر قد حدث أهله قبل نشوء المعتزلة، وكان الناس يخوضون فيه في الشام والعراق وغيرها، فرأى المعتزلة أن هذه المقالة تغليظا على صاحب الكبيرة، إذ بمقتضاها يتحمل مسؤولية ذنبه كاملة، لأنه يفعل استقلالا عن القدر، فضموها إلى أصلهم في الوعيد، وأصبح الاعتزال يدور على أصلين: أحدهما في الوعيد والحكم على أصحاب الجمل وصفين، والآخر في القدر، وكان أكثر كلام واصل فيهما.

ثم حدث التعطيل من قبل الجهمية فسرى إلى المعتزلة ولكنهم لم يبالغوا في النفي مبالغة الجهمية، فأثبتوا أسماء الله الحسنى في الجملة، ونفوا صفاته، فرارا من التعدد، وألف واصل كتابا في التوحيد، واستقر اعتزاله على ثلاث قواعد: هي القول بالوعيد، والحكم بفسق أحد الفريقين من أصحاب الجمل وصفين لا على سبيل التعيين، ,القول بالقدر، ونفي الصفات (١).

وكانت مقالة التعطيل عند الطبقة الأولى من المعتزلة غير ناضجة حتى جاء أبو الهذيل العلاف، شيخ المعتزلة ومقدمهم، ومقرر طريقتهم، فحرر مذهبهم، وبناه على الأصول الخمسة المشهورة، وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان لإقباله على مطالعة الفلسفة أكبر الأثر في تأصيل التعطيل، والمبالغة في نفي


(١) انظر: الملل والنحل ١/ ٤٦ - ٤٩، مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٤/ ٣٥٠، الخطط للمقريزي ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦.

<<  <   >  >>