للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إذن؛ فالقرآن كله يمكن فهمه , وأعظم ذلك وَأَوَّلُهُ وَأَوْلَاه نصوص الصفات , فهي أشرف كلام الله , وأشرف آي القرآن , لأن أشرف العلوم الشرعية هي العلم بالله بأسمائه وصفاته , وأما الوجه الثاني الذي لا نعلمه فاستدل له بقوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله " [آل عمران: ٧]، والتأويل في هذه الآية ولاسيما على قراءة الجمهور - وهي: الوقف على لفظ الجلالة - هو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء , فلا يعلم تأويل ما تشابه من القرآن , يعني لا يعلم حقيقته وما يؤول إليه إلا الله , فلا يعلم كنه ذات الرب وصفاته ولا كنه ما أخبر به عن اليوم الآخر إلا الله , حتى إنه سبحانه في الحديث القدسي قال: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر " (١).

وفي آيات الأمر بالتدبر وذم المعرضين عن تدبر القرآن: الرد على أهل التفويض، وهذا هو المقصود من تقرير هذه القاعدة , وأهل التفويض هم الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا يعلم أحد معناها ولا الرسول - صلى الله عليه وسلم - , فلا يعلم معناها إلا الله؛ ولهذا سماهم الشيخ في الحموية أهل التجهيل (٢) , لأنهم بزعمهم هذا يجهلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بمعان كلام الله؛ بل على قولهم: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتكلم بما لا يعلم معناه من حديثه , فأحاديث الصفات - أيضًا - لا يعلم معناها إلا الله , فقولهم يتضمن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتكلم بما لا يعلم ويعقل معناه , وكفى بهذا فسادًا , وكفى بهذا طعنا في كلام الله , وفي حكمة الله وفي كلام الرسول وقدره - صلى الله عليه وسلم - , سبحان الله ما أقبح هذا الكلام وهذا المذهب , مع أن كلمة


(١) أخرجه البخاري (٣٢٤٤) وفي مواضع أخر، ومسلم (٢٨٢٤) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٢) الحموية (ص ١٩٥ - ٢٠٧).

<<  <   >  >>