للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء) (١)، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة) (٢)، وقال أيضًا رضي الله عنه: (ثلاث من كن فيه ملأ الله قلبه إيمانًا: صحبة الفقيه، وتلاوة القرآن، والصيام) (٣)، ولما حضرت معاذًا رضي الله عنه الوفاة قال: (اللَّهُمَّ إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر) (٤)، وقال عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ): (لأن يكون لي مجلس من عبيد الله-يعني: ابن عبد الله بن عتبة-أحبُّ إليَّ من الدنيا) (٥).

ومن ثمَّ كانت هذه المجالس مهيبة معظمة، وكان لها رهبة وجلالة في بلاد الإسلام بأسرها، وكانت المدائن تزدان بها كما تزدان السماء بكواكبها السيارة وبنجومها، حتى غدت لأصحابها مناقبَ ولبلدانهم مفاخرَ فلكأن عين الشمس ما دارت على مثلها، وكثر في الناس وصفها وشرح هيئتها والسعادة بها والافتخار بشهودها والاشتياق إليها والتحسر على فقدها.

كان قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري (ت ١٦٨ هـ) إذا جلس في مجلس القضاء يقضي بين الناس تمثَّل (٦):

لنا مجلس طيِّبٌ ريحه... به الجلُّ والآس والياسمين

وقال أبو الفرج ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في وصف مجالسه ببغداد:

كم كان لي من مجلس لو شُبِّهت... حالاته لتشبَّهت بالجنَّةِ

كم كان لي من مجلس لو شُبِّهت... حالاته لتشبَّهت بالجنَّةِ

أشتاقه لما مضت أيامه... عُطلًا وتُعذر ناقة إن حنَّتِ


(١) الموطأ برواية يحيي، كتاب الجامع، باب ما جاء في طلب العلم (٢٨٥٩).
(٢) المعجم الكبير، الطبراني (٨٥٥٣)، حلية الأولياء، أبو نعيم (١/ ١٣٤).
(٣) بهجة المجالس، ابن عبد البر (٢//١٢٨).
(٤) حلية الأولياء، أبو نعيم (١/ ٢٣٩).
(٥) وفيات الأعيان، ابن خلكان (٣/ ١١٥).
(٦) انظر: أخبار القضاة، وكيع (٢/ ١١٢).

<<  <   >  >>