للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تجد من علماء اللغة وأهل البلاغة من يفصّل القرآن بهذا التفصيل من غير تقييد فيقول: "إن استقراء القرآن وهو شريعة وأخبار وآداب، هو بعض أدلة إعجازه، بل أقواها، بل دليل الزمن المنسحب على الزمن" (١)، فجمع القائل آيات الردود والإعجاز وضرب الأمثال مع الغيبيات، وسماها آداب القرآن لأن غايتها تأديب البشر، وهذا هو الحق الأبلج.

ولكن ما وجه الدلالة على فهم الفواتح إن أخذنا بهذا التفصيل أم لا؟ أقول وجه الدلالة هو معرفة السبب لعدم رد المشركين على هذه الفواتح، فقد ردوا على ما جاء فيه من قصص كما في قوله تعالى {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: ٣١] "نزلت في النضر بن الحارث، كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبار من مضى قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا. وكان هذا وقاحة وكذباً." (٢) وقاموا بالرد على التشريع، كما سبق في سورة القلم، وما في أحكامهم على بني هاشم وغيرها من الأحكام كثير، وردّوا على الغيب بتكذيب البعث وغيره، ولكنهم لم يردوا بشيء على الإعجاز في نظم القرآن وما جاء فيه من حجج عليهم، وهذه الحروف ما هي إلا ردّ على شبهة، وإعجاز بإقامة الحجة، كما في سياق سورها وما تضمنته أوائل السور المفتتحة بها، وأغلب الأقوال في هذه الفواتح تفيد بأنها من باب إقامة الحجة، ولو اختلفت الآراء لعدم معرفة الشبهة، فليس لأحد أن يسقط حقيقة القول بأن الغاية في ضرب الأمثال وما فيها من أسرار للنظم الإلهي هو الدلالة على إبطال الحجة، فإعجاز


(١) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ص١١ - مصطفى صادق الرافعي
(٢) القرطبي (٣٩٧/ ٧)، والخبر بأنها نزلت في النضر رواه ابن جرير (٥٠٤/ ١٣) بسند صحيح عن سعيد بن جبير في حادثة قتل النضر.

<<  <   >  >>