للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الفصل الثاني: الحروف المقطّعة بين التفسير والتأويل

وبعد بيان الأسباب في الخلاف على تأويل الحروف وتفسيرها بين المفسرين، وبيان الفرق بين التأويل والتفسير، نعود للأقوال فيها، لا لترجيح أحدها على الآخر، أو لبيان معناها ومقاصدها وبالتالي الركون إليها، بل لنفصل الأقوال ونبين الوجوه السليمة في كل منها، لإيجاد علامات ودلالات على وضوح الطريق المتبع في تأويلها، ولن نتتبع كل الأقوال ما شذ منها وما دار في فلك التأويل، لعدم الحاجة لبيان ما قد بيّناه سابقاً من شذوذ بعض الأقوال، فنقتصر على ذكر المشهور من الأقوال المعروفة في عموم الحديث عنها، وما هو خاص ببعضها.

ولو تتبعنا أقوال علماء التفسير بالأثر في الحروف، لوجدنا أغلبها من تأثير الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وإن كانوا قد استدلوا بأدلة لغوية وعقليه في بعض الأحيان فلن نأبه بما استدلوا به، لأن الغاية من ذكرها هنا ليست الرد أو الانتصار لرأي دون آخر، بل الغاية تقرير الصواب والحق، وما كان من أدلة وردود سيأتي ذكرها في مكان الاستشهاد الصحيح بحسب الفائدة المرجوة منها.

وبعد التحقق من آراء العلماء لا يبقى ما يعتد به لتفصيل القول في الحروف بمجملها بين التأويل والتفسير إلا اثنين في تفسيرها وتسعة في تأويلها كما سأوضح في الأبواب الثلاثة التالية:

الباب الأول: حصر الأقوال في تفسير الحروف المقطّعة

الباب الثاني: حصر الأقوال في تأويل الحروف المقطّعة

الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح

الباب الأول: حصر الأقوال في تفسير الحروف المقطّعة

أما في التفسير، وبيان المعاني فهي بين قولين:

الأول: إنها أسماء للسور، وهو قول علماء الكلام، (١) هرباً من بساطة المعاني الظاهرة في الحروف بفهمهم، وطلباً للمزيد من معاني القرآن. وقولهم بأنها أسماء للسور كتفسير ليس فيه حجة، لمخالفته إجماع الصحابة على تسمية السور في المصحف، ولمخالفة أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذكر أسماء السور، كالبقرة وآل عمران، "هذا وإن القول بأنها أسماء السور يخرجها ما ليس في لغة العرب، لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستكره عندهم ويؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى، ويستدعي تأخر الجزء عن الكل من حيث أن الاسم متأخر عن المسمى بالرتبة." (٢) قال سيبويه: "وأمَّا حم فلا ينصرف، جعلته اسماً لسورة أو أضفته إليه، لأنَّهم أنزلوه بمنزلة اسم أعجمي، نحو: هابيل وقابيل ... وكذلك: طاسين، وياسين. واعلم أنه لا يجيء في كلامهم على بناء: حاميم وياسين، وإن أردت في هذا الحكاية تركته وقفاً على حاله. وقد قرأ بعضهم:


(١) إتّباعاً لأثر انفرد بروايته ابن جرير الطبري (٢٠٦/ ١) من كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٨٢هـ) عن أبيه، وعبد الرحمن ضعيف جداً، كذّبه الإمام مالك والشافعي، انظر تهذيب الكمال (١١٨/ ١٧) وسنده ضعيف جداً، فلا يثبت قوله عن زيد بن أسلم (١٣٦هـ)، وإن كان زيد بن اسلم يقول برأيه في التفسير أحياناً، وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٢١/ ١) بأنه قول سعيد ابن علاقة مولى أم هانئ من غير سند، وقال الرازي في التفسير (٦/ ٢): "هو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه." ولم يثبت بأنه من كلام الخليل بما تناقله الناس عنه كما أنكره سيبويه (١٨٠هـ) بمجمل كلامه وجوّزه فقط، كما فعل النحاس في معاني القرآن (٧٦/ ١)، وكذلك من نقل عن سيبويه من علماء النحو، لأن بعض السور تسمّت بها، ولكنهم لم يختاروه، وقول الرازي جاء اتباعاً لقول الزمخشري في الكشاف (٢١/ ١): "وعليه إطباق الأكثر"، وهذا منهما انتصاراً لقول المتكلمين، وقد اختاره الرازي في التفسير (٨/ ٢) كتفسير للحروف وخالف الجمهور، وقال ابن كثير (١٥٧/ ١): "يعضد هذا القول ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: الم السجدة، وهل أتى على الإنسان." قلت: هذه إشارة للسورة وليست بتفسير ولا تسمية، فلا يعضده شيء لما فيه من مخالفة للرسم العثماني وأقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
(٢) قاله البيضاوي في التفسير (٩١/ ١) سورة البقرة.

<<  <   >  >>