للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مناقشة أدلة المانعين]

أما مناقشة أدلة الفريق الأول الأثرية، فالدليل الأول هو ما رواه البيهقي عن المقداد وهو حديث ضعيف، وعلته يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني أبو زكريا الكوفي، وهو ضعيف، قال عبد الله عن يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابن معين: ليس بشيء، فهو دليل على شدته في التضعيف، وقال البخاري: مضطرب الحديث، وهذه أشد منها؛ لأن البخاري كان لطيف العبارة في الجرح، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بالقوي، وقال ابن عدي في الكامل: كوفي شيعي، كأنه يغمزه بهذا، وهذا ليس بجرح كما سنبين، وقال ابن حبان في الضعفاء: يروي عن الثقات المنكرات، وهذا أيضًا تضعيف قوي، وقال الحافظ: شيعي ضعيف، ولو أنه قال: شيعي وسكت لقلنا: فيه نظر، لكن لما قال: ضعيف، فهذا خلاصة ما وصل إليه.

إذاً: الإسناد يضعف بضعف يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني، وعليه فالحديث ضعيف، والقاعدة عند العلماء: أن الأحكام فرع عن التصحيح، وهذا الحديث ضعيف فلا حجة فيه.

الحديث الثاني: وهو حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.

إذاً: العلة في حديث ابن عمر هو موسى بن عبيدة، قال محمد بن إسحاق الصائغ عن أحمد: لا تحل الرواية عنه، وهذه شدة في الجرح، قال البخاري: قال أحمد: منكر الحديث، ففيه روايتان عن أحمد الأولى: لا تحل الرواية، والثانية: منكر الحديث.

وهذا حديثه لا بد أن يقال فيه على الأقل: ضعيف جداً، قال عباس الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال الذهبي في الضعفاء والمتروكين: ضعفوه، وأجمل ما قيل في ذلك جملة ما قاله الحافظ: موسى بن عبيدة ضعيف.

إذاً: الحديث الثاني الذي استدلوا به أيضًا حديث ضعيف.

أما بالنسبة للأثر عن زيد بن ثابت وابن عمر، فالصحيح أنه قد صح الإسناد إلى ابن عمر أنه نهى عن هذه المعاملة -معاملة الحطيطة- وقال بأنها حرام وربا، وأيضاً قال ذلك زيد بن ثابت كما رواه البيهقي في السنن الكبرى بسند صحيح عن ابن عمر وزيد بن ثابت.

لكن لنا وقفة؛ لأن الذي ورد الآن ليس بحديث مرفوع صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كل الأحاديث التي وردت صحيحة هي موقوفة عن ابن عمر وزيد بن ثابت، وقول الصحابي عند الأصوليين ليس بحجة إن خالفه قول صحابي آخر، فالحجة في القرائن المحتفة التي تثبت أي القولين أقوى، وقد قلنا بأن السند صحيح إلى ابن عمر وزيد بن ثابت لا نقول بأن هذا القول الذي نقل عن ابن عمر وزيد بن ثابت يرجح المسألة؛ لأن المجيزين من العلماء جاء عندهم بسند صحيح عن ابن عباس إجازتها، فلا حجة لـ ابن عمر على ابن عباس، ولا حجة لـ ابن عباس على ابن عمر إلا بالقرائن المحتفة كما قال علماء الأصول: إذا اختلف الصحابة فالقرائن هي التي ترجح بين القولين، وإلا فلا قول لأحدهما على الآخر.

أما بالنسبة لمناقشة القياس: فالذي حدث أنهم قاسوا زيادة المال من أجل الأجل على نقصان المال من أجل الأجل، وهذا قياس مع الفارق، فالربا زيادة وتأخير، والحطيطة نقصان مع تعجيل، وهذا فارق جلي جوهري يؤثر في المسألة، الربا زيادة مع تأخير ويقع بذلك الظلم، والحطيطة نقصان مع تعجيل وسيحدث بذلك الفائدة للدائن والمدين، فلا ظلم في هذه المسألة، والعائد للدائن في الربا زيادة عن حقه، فهو المنتفع، وأما المدين فهو المظلوم، أما في مسألة الحطيطة فالعائد للدائن نقص، والمنفعة تعود عليه بأن يقبض المال مرة واحدة، وأيضًا النفع يعود على المقترض بأن يزيح عن كتفه وعن كاهله بعض المال الذي كبله.

هذا بالنسبة لمناقشة الذين قالوا بعدم الجواز.

<<  <  ج: ص:  >  >>