للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

[المبحث الثالث: أنواع المتشابه]

من خلال ما سبق في تعريف المتشابه (١)، يتبين أن المتشابه نوعان (٢).

النوع الأول: متشابه حقيقي، لا سبيل إلى إدراك حقيقته وكنهه، كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بعلمه، فهذا لا يتعاطى علمه أحد لا من الصحابة ولا من بعدهم، فمن قال من العلماء: إن الراسخين لا يعلمون المتشابه، فإنما مراده هذا النوع.

لكن يغلط من يقول (٣): إن المتشابه لا يفهم معناه أحد، بل هذا المتشابه مفهوم من جهة المعنى ولغة التخاطب، فنحن نفهم الخطاب بالروح والساعة، وما أعده الله لأوليائه في الدار الآخرة من أنواع النعيم، كل هذا نفهمه بمقتضى لغة التخاطب، وإن كان لا ندرك حقيقته التي هو عليها، كما في الحديث: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (٤)، فأحوال الآخرة ونحوها من الأسماء والصفات، والوعد والوعيد، ومسائل القدر، كل هذا محكم من جهة المعنى ووضوح الخطاب به، لكنه متشابه من جهة حقيقته وكيفيته، فالأول يعرفه كل من يعرف لغة العرب وعادتها في الكلام، والثاني لا يعلمه إلا الله تعالى. وهذا النوع من المتشابه غالباً ما يستدل له بآية آل عمران، وأن الوقف عند لفظ الجلالة.

النوع الثاني: متشابه إضافي، لأنه يرجع إلى الناظر لا إلى الأمر في نفسه، وهذا الاشتباه له أسباب منها:

١ - تقصير الناظر في النظر والبحث.

٢ - اتباعه للهوى وابتغاؤه الفتنة.

وإذا تؤمل هذا النوع وجد أن المنسوخ والمجمل والظاهر والعام والمطلق قبل معرفة مبيناتها داخل فيه (٥).


(١) ص ٦.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ص ٥/ ٢٦، ومجموع الفتاوى ص ١٧/ ٣٧٢ - ٣٧٣، ٣٨٠، والموافقات ص ٣/ ٩١ - ٩٣، والاعتصام لإبراهيم بن موسى الشاطبي تحقيق أحمد عبدالشافي ص ١/ ١٦١، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى. وإيثار الحق ص: ٩٠ - ٩٩.
(٣) انظر: الموافقات ص ٣/ ٩١
(٤) صحيح البخاري: كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}، ص ١٤٢٩، حديث رقم ٧٤٩٨، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، طبعة بيت الأفكار الدولية، الرياض، عام ١٤١٩.
(٥) انظر: الموافقات ص ٣/ ٨٦.

<<  <   >  >>