للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومن جهته تلقيت أكثر أخبارهم؛ لم أر في الملوك ولا في السوقة مثله -رحمة الله عليه-؛ وما استجزتُ لفظة الصداقة مع أن الواجب لفظ الخدمة، إلا لما كان -رحمه الله- يكتب إلي: أخي، وصديقي في بعض الأوقات، ووليي في بعضها؛ اجتمعت عندي بخطه رقاع كثيرة، خلع علي فيها فضله، وحلاني بما لم أكن أستحقه- وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن، وإسماعيل, وبنات.

قضاته

أبو محمد المالقي المتقدم الذكر. ثم عزله وولى بعده عيسى بن عمران التازي١، من أهل رباط تازا من أعمال مدينة فاس، من قبيلة يقال لها: تَسُول، من البربر يرجعون إلى زناتة.

كان عيسى هذا من فضلاء أهل المغرب ونبهائهم، وكان خطيبًا مِصْقَعًا٢ وبليغًا لَسِنًا٣ وشاعرًا مُفْلقًا٤ مشاركًا في كثير من العلوم. ونال في أيام أبي يعقوب حظوة ومكانة؛ كان يتكلم عن الوفود ويخطب في النوازل فيأتي بكل عجيبة. وكان مع هذا ذا مروءة تامة وتعصب لمن ينقطع إليه مفرط. أخبرني ابنه أبو عمران -قاضي الجماعة في وقتنا هذا- قال: سمعت أبي يقول وقد لامه بعض من يلوذ به في التنويه بأقوام ليست لهم سوابق ولا أقدار، رفعهم من الحضيض جاهه، ونبههم بعد الخمول اعتناؤه: ليس العجب ممن يأتي إليه رجل نبيه القدر يرفعه، إنما العجب ممن يحيي الميت وينبه الخامل ويرفع الوضيع؛ فأما النبيه القدر فنباهته تكفيه.

وبلغ من إفراطه في التعصب أن قال يومًا: ليس بحماية أن تحمي صاحبك وهو محق؛ فإن الحق أظهر وأقوى من أن يُحمى؛ إنما الحماية أن تحميه وهو مبطل! في أشباه لهذه الأخبار.

وكان له أولاد ما منهم إلا من ولي القضاء؛ وهم علي، وكان عليٌّ هذا رجلاً صالحاً، ولي في حياة أبيه قضاء مدينة بجاية، ثم عُزل عنها وولي مدينة تِلِمْسان. وهو عندنا من المشهورين بالتصميم والتبتل٥ في دينه، وممن لا تأخذه هوادة في الحق.


١- ترجمته في: بغية الملتمس: ٤٠٤.
٢- خطيب مصقع: بليغ متفنن في مذاهب القول.
٣- اللسن: الفصيح, البليغ.
٤- المفلق: الذي يأتي بما يُعجِب في شعره.
٥- التبتل: الانقطاع إلى الله في العبادة.

<<  <   >  >>