للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

ولسيبويه طابعه المتميز به وشخصيته التي يحس بها قارئ كتابه، فقد استوعب ما نقل ودرسه وتمثله، وناقشه وحكم عليه، فكثيرا ما تجد في كتابه: قال فلان كذا والقياس كذا، وقال النحاة كذا والصواب خلافه، وحسبك أن تجد بابا خاصا نقد فيه النحاة في بعض ما ذهبوا إليه.

"وذلك قولك: ويحٌ له وتب، وتبا لك وويحا، فجعلوا التب بمنزلة الويح، وجعلوا "ويح" بمنزلة التب فوضعوا كل واحد منهما في غير الموضع الذي وضعته العرب ... إلخ"١.

وجعل سيبويه عنوان هذا الباب مشعرا بنقد صنيعهم فقال:

"هذا باب استكرهه النحويون وهو قبيح، فوضعوا الكلام على غير ما وضعت العرب"١.

وأسلوب سيبويه هذا هو الطابع الأصيل للمذهب البصري الذي مر بك الكلام عنه.

وسبق أن عرفت أن سيبويه ينقل كلام المخالفين نقلا موضوعيا معلقا عليه حينا، ومكتفيا بإثباته حينا آخر، وأنه إذا قال: "قال الكوفي" فإنما يعني أبا جعفر الرؤاسي، كما أن "قال" إذا لم يذكر فاعلها إلى جانبها ففاعلها الخليل لكثرة النقل عنه.

درج القدماء على استعظام كتاب سيبويه وتشبيههم لدراسته بركوب البحر، وأن أتباعه يفاخرون به، وخصومه يقرءونه سرا على تلاميذ سيبويه ولا يجاهرون, وذلك مشعر بأنهم موقنون أن المعرض عنه حارم نفسه من خير كثير لا تسمح نفس


١ الكتاب ١/ ١٦٧, طبعة بولاق ١٣١٧.

<<  <   >  >>