للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

٥- فنون مستحدثة:

رأينا أدبنا يتطور تطورًا واسعًا بفضل الأضواء الغربية التي نفذت إليه، وبفضل تحوله من الطبقة الأرستقراطية، طبقة الملوك والأمراء ومن يلوذ بهم،

إلى الطبقة الديمقراطية، طبقة الشعب على اختلاف درجاتها.

وتحت تأثير هذا التطور عادت الخطابة السياسية إلى الازدهار ازدهارًا لعل العصور القديمة لم تعرفه، فإنها أخذت تستمد من معين الفكر الغربي الذي لا ينضب، وما وصل إليه من مبادئ في الحريات وفي الحقوق السياسية، كما أخذت تستمد من حياتنا وظروفها الماضية التعسة، ظروف الحكم السيئ والاحتلال البغيض. ولم يلبث أن ظهر عندنا خطباء سياسيون مفوَّهون مثل: مصطفى كامل وسعد زغلول. ثم أنشأنا الدستور القديم والأحزاب، ودعا كل حزب لنفسه، وظهر في كل حزب خطباء مختلفون يعدون بالعشرات، فكان ذلك كله سببًا في نمو هذا اللون من الخطابة السياسية وازدهاره.

وأخذنا عن الغرب نظام القضاء الحديث، كما أخذنا عنه الخطابة القضائية؛ إذ وُجد نظام المحامين والمدعين العامين، وأصبحت محاكمنا مثل المحاكم الغربية ميدانًا واسعًا يجول فيه الخطباء من رجال القانون. وتعقدت القضايا، وتعقد هذا اللون من الخطابة، واشتهر فيه كثير من الخطباء القانونيين. وبجانب هذين اللونين نشطت الخطابة الاجتماعية التي تُلْقى في النوادي والحفلات العامة، وتتناول جوانب اجتماعية وإنسانية مختلفة.

ففن الخطابة قد أصاب حظًّا واسعًا من الرقي في حياتنا الأدبية الحديثة؛ ولكن لا نستطيع أن نقول: إنه فن استحدثناه وأوجدناه دون أصول سابقة، فقد كانت عندنا خطابة سياسية واجتماعية أو حفلية في العصرين الجاهلي والإسلامي، حقًّا ذبلت الخطابة في العصور التالية؛ ولكنا نَرِثُ منها على كل حال تراثًا قيمًا.

وإذا كانت الخطابة -باستثناء الخطابة القضائية- ليست جديدة كل الجدة، فإن هناك فنونًا نثرية أخرى استحدثناها وأنشأناها إنشاء، مستلهمين في إنشائها أعمال الغرب وما أقامه -ويقيمه- فيها من نماذج مختلفة؛ وهي: المقالة والقصة والمسرحية.

<<  <   >  >>