للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

٢- تياران: عربي وغربي:

يجري في أدبنا منذ القرن الماضي تياران: عربي وغربي، أما التيار العربي فكان يمثله الأزهر وتعليمنا فيه. ومعروف أن الأزهر هو الذي حافظ على تراثنا الإسلامي والعربي أيام محنتنا بالحكم العثماني؛ فإن المدارس المختلفة التي أنشأها الأيوبيون والمماليك أغلقت أبوابها، ولم يعد يضيء في حياتنا العقلية سوى هذه المصابيح الضيئلة التي كانت ترسل من الأزهر نورًا شاحبًا خافتًا.

ولم تكن هذه المصابيح تقتصر على الدين؛ بل كانت تشمل العلوم اللغوية والطبية والفلسفية، وإن كانت العناية بالعلوم الأخيرة ضعيفة؛ بل إن العلوم الدينية نفسها كانت قد تخاذلت وتضاءلت تحت تأثيرا الظلم الذي أرهق به العثمانيون أهل مصر. وكلنا نعرف أن مصر استطاعت قبل الحكم العثماني أن تُسْهم في الحضارة الإسلامية في أثناء العصرين: الفاطمي والأيوبي، وانفردت في أثناء عصر المماليك بالنهوض بتلك الحضارة، واتخذت لذلك طريقًا واضحًا أن تجمع التراث الإسلامي العربي، وتضعه من جديد في كتب كبرى تشبه دوائر المعارف على نحو ما نعرف في صبح الأعشى للقلقشندي، ونهاية الأرب للنويرى، ولسان العرب لابن منظور.

وعلى حين كانت مصر معنيَّة بجمع التراث العربي والمحافظة عليه نزل بها طوفان العثمانيين، فإذا هو يأتي على هذه الجهود العقلية الخصبة؛ بل إنه يصيبها بعطل شديد، فيتوقف في مصر كل شيء، ويعم العقم والجمود، وتتراجع هذه النهضة الذهنية، حتى تصبح شيئًا ضئيلًا جدًّا لا نكاد نتبينه إلا في متون وملخصات يبدئ فيها الأزهريون ويعيدون، وكل ما يستطيعون عمله أن يشرحوها، وقد يشرحون الشرح، وقد يعلقون عليه، وهم بذلك لا يضيفون إلى العلم شيئًا ذا خطر؛ بل لقد عقَّدوا العلم تعقيدًا بكثرة متونهم وشروحهم وتقريراتهم

<<  <   >  >>