للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا؛ مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه.

ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفاً فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه.

ومسلم روى بهذا الإسناد قوله صلى الله عليه وسلم: "من خرج مع جنازة من بيتها وصلّى عليها ثم تبعها حتى تدفن؛ كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلّى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد"١. وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة، وعائشة٢، من غير هذا الطريق.

ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال، يفرق بين من يروى عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك: هو على شرط مسلم أو البخاري، كما بسط هذا في موضعه.

الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يَخْفَ على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفاً عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فلما كرهوا هذا القول ردّ على أنه ليس عندهم فيه أثر لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

الوجه التاسع: إن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم. وأما زيارة قبره- كما هو المعروف في زيارة القبور- فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن الذين كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره قولهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل


١ أخرجه مسلم (٩٤٥) .
٢ أخرجه البخاري (١٣٢٣، ١٣٢٤) ومسلم (٩٤٥) .

<<  <  ج: ص:  >  >>