للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الناس به، وبعبادته، الصديقة بنت الصديق، ﵄.

ولذا كان النبي ﷺ يرشد أمته لهذا الأمر، ويحذرها من التكلف، والتعمق في العبادة مما لا تطيقه النفس؛ لأنه مظنة الانقطاع، وفوات لزوم المداومة، على ما أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يُحَجِّره (١) من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة فقال: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قل». (٢)

وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: «من هذه»؟ فقلت: أمرأة لا تنام تصلي، قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إلى الله ما دام عليه صاحبه). (٣)

فنهى النبي ﷺ عن التشدد في العبادة لما يفضي من السأم والملالة ومن ثم الانقطاع عن العمل، وأرشد إلى الإقتصاد في العمل مع المداومة، ولذا جعل أهل العلم ضابط التعبد الحقيقي، ومقياس السير الصحيح إلى الله، ما كان على وجه المداومة في العمل.

قال القاضي عياض في معنى «عليكم من العمل ما تطيقون» أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (٤)

وقال ابن رجب: «المراد بهذا الحديث: الإقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه». (٥)


(١) أي يتخذه حجرة كما في رواية مسلم في صحيحه (١/ ٥٤٠).
(٢) صحيح مسلم (١/ ٥٤٠) ح: (٧٨٢).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١/ ١٠١) ح: (٤٣)، ومسلم واللفظ له (١/ ٥٤٢) ح: (٧٨٥).
(٤) إكمال المعلم (٣/ ١٤٧).
(٥) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٥).

<<  <   >  >>