للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

حديثِ رسولِ الله (ص) بآرائهم، كما يَكْرَهُونَ تفسيرَ القرآنِ برأيهم.

وقال الهَيْثَم بْن خَارِجة (١) : سمعتُ الوليدَ ابنَ مُسْلِم يَقُولُ: سألتُ الأوزاعيَّ (٢) ، وسُفْيانَ الثَّوريَّ، ومالكَ بنَ أَنَس، واللَّيثَ بنَ سعدٍ؛ عَنْ هذه الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والرُّؤيةُ والقرآنُ؟ فَقَالَ (٣) :

أَمِرُّوها كما جاءتْ بلا كَيْفٍ (٤) .


(١) أخرج روايته الخلال في "السنة" (٣١٣) ، والآجري في "الشريعة" (٧٢٠) ، والدارقطني في "الصفات" (٦٧) ، وابن بطة في "الإبانة" (١٨٣/الرد على الجهمية) ، وابن منده في "التوحيد" (٨٩٤) ، والصابوني في "عقيدة السلف" (ص ٢٤٨-٢٤٩) ، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٨٧٥ و٩٣٠) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/٢) ، و"الاعتقاد" (١٢٣) ، و"الأسماء والصفات" (٩٥٥) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/١٤٩) ، و"الاستذكار" (٨/١١٨) .
(٢) هو: عبد الرحمن بن عمرو.
(٣) كذا في جميع النسخ، والجادَّة: «فقالوا» كما في مصادر التخريج، لكنَّ ما في النسخ صحيحٌ، ويحتمل وجهين: الأول: أنه بفتح اللام: «فقالَ» ، ويخرَّج على الحمل على المعنى بإفراد الجمع، والمراد: فقال كلُّ واحدٍ منهم. وانظر التعليق على المسألة رقم (١١٣٥) .
والثاني: أنه بضم اللام: «فقالُوا» ، لكنْ حُذِفَتْ واوُ الجماعة مع الألف الفارقة، واجتزئ بضمة اللام عنها كما قالت العرب في «ضَرَبُوا» : قد ضَرَبُ. وهي لغةُ هوازن وعُلْيَا قيس. انظر التعليق على المسألة رقم (٦٧٩) .
(٤) قولُهُم ج: «أَمِرُّوهَا كما جاءتْ» ، أيْ: بأنْ نُثْبِتَ ألفاظَهَا ومعانيَهَا مع اعتقادِنَا أننا مكلَّفون بمعرفةِ تلكَ الألفاظِ والمعاني؛ فإننا متعبَّدون بمعرفةِ معاني صفاتِ اللهِ تعالى، وأما قولهم: بلا كيف، فالمرادُ: إثباتُ الكيفيةِ لهذه الصفات، مع نفيِ علمنا بهذه الكيفيَّة؛ فإنَّ هذا من التأويلِ الذي لا يَعْلَمه إلا اللهُ تعالى؛ قال شيخ الإسلام ابنُ تيميَّةَ في «الفتوى الحموية الكبرى» (ص٣٠٠-٣٠١) - بعد نقلِهِ كلامَ الوليدِ بنِ مسلمٍ - قال: «فقولهم رضي الله عنهم: أَمِرُّوهَا كما جاءَتْ: رَدٌّ على المعطِّلَةِ، وقولهم: بلا كيف: ردٌّ على الممثِّلة» . اهـ.
وعلى ذلك: ففي قول السلف: «أَمِرُّوهَا كما جاءتْ، بلا كيف» : إثباتٌ لحقيقةِ صفاتِ الله تعالى، ونفيٌ لعلمنا بكيفيَّاتها؛ فالتفويضُ يكونُ في كيفيَّةِ الصفاتِ لا في معانيها، وقد اشتدَّ نكيرُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ على مَنْ نَسَبَ إلى السلفِ أنهم يفوِّضون في معاني صفات الله تعالى، بمعنى أنهم لا يعلمون إلا ألفاظَهَا، ويَكِلُونَ عِلْمَ معانيها وكيفيَّاتها إلى اللهِ تعالى، وقالوا: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم. والصوابُ: أن مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، فإنَّهم يفوِّضون عِلْمَهُمْ بكيفيَّةِ الصفةِ دون العلمِ بمعناها، فقال شيخ الإسلام في «الفتوى الحموية الكبرى» (ص٣٠٣ - ٣٠٧) : «وروى الخَلَاّل بإسنادٍ كلُّهم أئمةٌ ثقاتٌ، عن سفيانَ بنِ عيينة، قال: سُئِلَ ربيعةُ بنُ أبى عبد الرحمنِ عن قوله: [طه: ٥] {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} ، كيف استَوَى؟ قال: الاستواءُ غيرُ مجهول، والكيفُ غيرُ معقولٍ، ومِنَ اللهِ الرِّسَالة، وعلى الرسولِ البلاغُ المبين، وعلينا التصديق، وهذا الكلامُ مرويٌّ عن مالكِ بنِ أنسٍ تِلْمِيذِ ربيعةَ ابنِ أبى عبد الرحمنِ مِنْ غيرِ وجهٍ:
منها: ما رواه أبو الشيخِ الأصبهانيُّ، وأبو بكرٍ البيهقيُّ، عن يحيى بنِ يحيى، قال: كنَّا عند مالكِ بنِ أنسٍ، فجاء رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، [طه: ٥] {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} ، كيف استَوَى؟ فأطرَقَ مالكٌ برأسِهِ حتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ، ثم قال: الاِستواءُ غيرُ مجهول، والكيفُ غيرُ معقول، والإيمانُ به واجب، والسؤالُ عنه بدعة، وما أَرَاكَ إلا مبتدِعًا، ثُمَّ أَمَرَ به أن يُخْرَجَ.
فقولُ ربيعةَ ومالكٍ: الاستواءُ غيرُ مجهول، والكيفُ غيرُ معقول، والإيمانُ به واجب - موافقٌ لقولِ الباقين: «أَمِرُّوها كما جاءتْ، بلا كيف» ؛ فإنَّما نَفَوْا عِلْمَ الكيفيَّةِ، ولم يَنْفُوا حقيقةَ الصفةِ.
ولو كان القومُ قد آمَنُوا باللفظِ المجرَّدِ مِنْ غير فهمٍ لمعناه على ما يليق بالله - لَمَا قالوا: «الاستواءُ غيرُ مجهول، والكيفُ غيرُ معقول» ، وَلَمَا قالوا: «أَمِرُّوهَا = = كَمَا جاءتْ، بِلَا كَيْف» ؛ فإنَّ الاستواءَ حينئذٍ لا يكونُ معلومًا، بل مجهولاً بمنزلةِ حروفِ المعجم.
وأيضًا: فإنَّه لا يُحتاجُ إلى نفيِ علمِ الكيفيَّةِ إذا لم يُفْهَمْ عن اللفظ معنًى، وإنما يُحْتاجُ إلى نفي علمِ الكيفيَّةِ إذا أُثْبِتتِ الصفاتُ.
وأيضًا: فإنَّ مَنْ ينفي الصفاتِ الخبريَّةَ، أو الصفاتِ مطلقًا، لا يَحْتاجُ إلى أنْ يقولَ: بلا كيف، فمَنْ قال: إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ليس على العرشِ، لا يَحْتَاجَ أنْ يقولَ: بلا كيف، فلو كان مذهبُ السلفِ نفيَ الصفاتِ في نفسِ الأمرِ، لَمَا قالوا: بلا كيف!!
وأيضًا: فقولهم: «أَمِرُّوها كما جَاءَتْ» ، يقتضي إبقاءَ دلالتها على ما هي عليه؛ فإنَّها جاءتْ ألفاظًا دالَّةً على معاني، فلو كانتْ دلالتُهَا منتفيةً، لكان الواجبُ أنْ يقالَ: «أَمِرُّوا ألفاظَهَا، مع اعتقادِ أنَّ المفهومَ منها غيرُ مرادٍ» ، أو «أَمِرُّوا ألفاظَهَا، مع اعتقادِ أنَّ اللهَ لا يوصفُ بما دَلَّتْ عليه حقيقةً» ؛ وحينئذٍ: فلا تكونُ قد أُمِرَّتْ كما جاءتْ، ولا يقالُ حينئذٍ: بلا كيف؛ إذْ نَفْيُ الكيفِ عمَّا ليس بثابت لغوٌ من القول» .
وهذا كلامٌ نفيسٌ جِدًّا لمن فتَحَ اللهُ بصيرتَهُ. انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/٢٠١- ٢٠٨) ، و «التدمرية» (ص ٨٩-١١٦ القاعدة الخامسة) ، و «التحفة المدنيَّة» لحمد آل معمر (ص٨٩-٩٠) ، و «المجلَّى، في شرح القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين» لكاملة الكواري (ص٢٢٥- ٢٢٨) .

<<  <  ج: ص:  >  >>