للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عيوب إخوانه، لا يُقدِم على ذلك إلا بعد أن يهتك كل حجب الحياء، التي يمكن أن تردعه، ولا يستر إلا الحَيِيُّ.

وكذلك فإن الستر حياة للمستور، الذي يتعامل مع الناس دون أن تشير إليه الأصابع، وتنهشه النظرات، وتقتله عقدة الذنب، وربما كان هذا بعض ما أراده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «من رأى عورة فسترها، كان كمن أحيا موءودة» (١)، ويقول المناوي في (عون المعبود): وجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس، التي هي كالموت، فكأنه أحياه، كما دفع الموت عن الموءودة من أخرجها من القبر قبل أن تموت) (٢).

ولقد كان من هَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يؤثر الستر، حتى في حق مرتكب الكبيرة، لذلك كان يوجه بقوله "تعافّوا الحدود فيما بينكم" (٣)؛ لئلا تُنقل إلى الإمام فتفتضح بإقامة الحد، لعل صاحبها يتوب، فيتوب الله عليه.

لقد بلغ من حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كرامة المسلم، وسلامة نفسيته، أنه حين جاءه رجل يقول له: «يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقِمْه عليَّ»، يقول أنس بن مالك: ولم يسأله عنه، وبعد الصلاة كرر الرجل مقالته، «فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر ذنبك» (٤).

يقول ابن حجر: (وإنما لم يستفسِرْه إما


(١) رواه أبو داود في كتاب الأدب - باب ٤٥ - الحديث ٤٨٧٠ صححه الحاكم ووافقه الذهبي وضعفه الألباني.
(٢) عون المعبود ١٣/ ٢٣٥ من شرح الحديث ٤٨٧٠.
(٣) صحيح سنن أبي داود برقم ٣٦٨٠ وصحيح سنن النسائي برقم ٤٥٣٩.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الحدود - باب ٢٧ - الحديث ٦٨٢٣.

<<  <   >  >>