للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

حتى تنكرت لي نفس الأرض فما هي الأرض التي أعرف، إلى أن قال: حتى إذا طال عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ فسلمت عليه فو الله ما رد عليّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار (١) .

وكان من طاعته أيضاً وهو في موضع عتاب وجفوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه ويقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها. فقال لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله من هذا الأمر (٢) .

وكان من حبه للرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على كل أحد في الدنيا أن ملك غسان يخطب وده ويستلحقه بنفسه، وتلك محنة عظيمة في حال الجفوة والعتاب ولكنه يرفض ذلك قال: ((بينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جافاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها (٣) .

ومن غرائب الطاعة وسرعة الانقياد ما حدث عند نزول النهي عن الخمر في مجلس شرب، فعن أبي بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا وعندنا باطية (٤) لنا، ونحن نشرب الخمر حلاً إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم


(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) الباطية: إناء من زجاج يملأ من الشراب.

<<  <   >  >>