للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الفصل الثاني

الانحطاط في الحياة الإسلامية

الحد الفاصل بين العصرين:

قال أحد الأدباء: ((أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا)) إنه لحق في قضية أكثر الأمم، ولكن بدأ التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين.

نظرة في أسباب نهضة الإسلام:

كان زمام القيادة الإسلامية- والعالمية بالواسطة- بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إيماناً وعقيدة وعملاً وخلقاً وتربية وتهذيباً وتزكية نفس وسمو سيرة، وكمالاً واعتدالاً، لقد صاغهم النبي صلى الله عليه وسلم صوغاً، وصبهم في قالب الإسلام صباً، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات، ولا في الرغبات والأهواء، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام والنفسية الإسلامية، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم، وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلون بالناس، وقضاة يفصلون قضاياهم، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب، وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله، وكان الواحد منهم في آن واحد تقياً زاهداً وبطلاً مجاهداً، وقاضياً فهماً، وفقيهاً مجتهداً وأميراً حازماً وسياسياً محنكاً، فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين، حوله جماعة ممن

تخرجوا- إن صح التعبير- في هذه المدرسة، المدرسة النبوية، أم المسجد النبوي، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحاً واحدة، وتلقوا تربية واحدة، يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم، فلا يقطع أمراً ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم

<<  <   >  >>