للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

يس١ وغيرها٢، والجمل المستأنفة المفصولة تقوم بهذا الغرض خير قيام.

وبعد، فقد أقام الجرجاني صرحه هذا على قاعدتين أساسيتين في إعادته تشكيل المادة.

- أنه ضبط قواعد الفصل والوصل ليحكم ويحدد المعالم، ثم انطلق يحلل عناصر الجمال التي تمثلت في نظره في الجانب المنطقي الذي يخاطب العقول والمعقول عند المستمع أو القارئ ... ثم راعى:

- جانب التأثير النفسي الذي يهتم بمراعاة مقتضى حال السامع بإيضاح المعنى له بطريق التوكيد، وبطريق الإجابة عن سؤاله المتوقع لإشباع حاجة نفسه إلى المعرفة.

ومع الجرجاني نلحظ أنه لم يقصر الفصل والوصل على الجمل بل جعل المفردات مدخلا لها -بالرغم من أنه لم يتوقف عند هذا الجانب. ولم يقصر الوصل على حرف الواو فقط، ولم يكن الوصل عنده بين المفردات والجمل فقط، بل كان أيضا بين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى، وكان بمجموع جمل الشرط على مجموع جمل الجزاء -الأمر الذي لم يلتفت إليه أحد من البلاغيين التالين.

ورأى الجرجاني أن الواو في وصلها تجمع بين الأشباه والنظائر، وتجمع أيضا بين النقائض لعلاقة، والعلاقة تتضح من السياق، أي أن الجمال عنده موضعي، وقد كان هذا كافيا ليعلم من يريد تقعيد البلاغة أن البلاغة ليس من طبيعتها احتمال كل ما بها من قواعد راسخة، وإنما هي أيضا تطبيقات واجتهادات تسمح باجتهادات أخرى أوسع وأعمق، وسنرى هذا الجانب واضحا عند


١ قال تعالى:
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} .
{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ... } [يس: من ١٥-١٦] .
٢ الدلائل ٢٤٠-٢٤٢.

<<  <   >  >>