للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

بثواب، وذهب ذاهبون إلى أن أرواحها تعود بالتناسخ إلى أبدان أُخر وينالها من اللذة ما يقابل تعبها؛ وهذا مذهب لا يخفى فساده، ولكنا نقول: أما إيلام البريء عن الجناية من الحيوان والأطفال والمجانين فمقدور بما هو مشاهد محسوس، فيبقى قول الخصم إن ذلك يوجب عليه الحشر والثواب بعد ذلك فيعود إلى معنى الواجب، وقد بان استحالته في حق الله تعالى، وإن فسروه بمعنى رابع فهو غير مفهوم، وإن زعموا أن تركه يناقض كونه حكيماً فنقول: إن الحكمة إن اريد بها العلم بنظام الأمور والقدرة على ترتيبها كما سبق فليس في هذا ما يناقضه، وإن أريد بها أمراً آخر فليس يجب له عندنا من الحكم إلا ما ذكرناه، وما وراء ذلك لفظ لا معنى له.

فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالماً وقد قال: " وما ربك بظلام للعبيد " قلنا: الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، ولا يتصور من الانسان أن يكون ظالماً لما في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالماً بهذا المعنى، فمن لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوباً عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات.

[الدعوى الرابعة:]

ندعي أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، خلافاً للمعتزلة فإنهم حجروا على الله تعالى في أفعاله وأوجبوا عليه رعاية الأصلح. ويدل على بطلان ذلك ما دل على نفي الوجوب على الله تعالى كما سبق وتدل عليه المشاهدة والوجود، فإنا نريهم من أفعال الله تعالى ما يلزمهم الاعتراف به بأنه لا صلاح للعبيد فيه، فإنا نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا، وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلماً بالغاً، وبلغ الثالث كافراً ومات على الكفر، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ في النار، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فإذا قال الصبي المسلم: يا رب لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول: لأنه بلغ فأطاعني وأنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ، فيقول: يا رب لأنك

<<  <   >  >>