للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأجل وأعز القرب التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، فلابد أن يُعْلَم أن طريقة تلقيها وتلاوة القرآن بها توقيفية- كذلك-، ولاشك أن كل عبادة مبناها على الإخلاص والاتباع؛ كما قال ربنا: ( .... فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: ١١٠).

وفي الآية تصريح بشرطي قبول العمل ألا وهما الإخلاص والاتباع.

قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ (ت: ١٩٧ هـ) - رحمه الله- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالىَ: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: ٢)

"هُوَ أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ"، قَالُوا: "يَا أَبَا عَليٍّ، مَا أَخْلَصُهُ وُأَصْوَبُهُ؟ "، فَقَالَ: "إِنَّ العَمَلَ إِذاَ كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. الخَالِصُ أَنْ يَكُونَ للهِ، وَالصَّوابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ"، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: ١١٠). (١)

شرطا قبول العمل:

أما الشرط الأول: فهو الإخلاص

وهو إرادة العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة وجه الله تعالى والدار الآخرة، لذا فإن العمل إذا كان لمراءاة المخلوقين ومحبة مديحيهم وثنائهم، ولم يكن المراد منه التقرب إلى الله وحده لا شريك له، كان عملاً باطلًا غير مقبول كما قال ربنا: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: ٥).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "، وفي رواية ابن خزيمة: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمَلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ"، وَفي رواية: "فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَلْيَلْتَمِسْ ثَوَابَهُ مِنْهُ". (٢)

أما الشرط الثاني: فهو الاتباع

والمقصود بالاتباع هنا موافقة شرع الله الذي شرعه الله لعباده في كتابه وشرعه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- أي يكون متابعًا للنبي-صلى الله عليه وسلم- في عمله: وذلك بأن يكون هذا العمل وفق ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا يعبد الله إلا بما شرع، ويترك كل ما سوى ذلك ويهجره وينزجر ويتجافى عنه تقربًا لله تعالى وابتغاء مرضاته.

فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ". (٣) وفي رواية عنها -رضي الله عنها- قالت، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ عَمِلَ


(١) - مدارج السّالكين، لابن القيّم: (٢/ ٩٣).
(٢) - صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ١٨٤) رقم ٢٦٩٧، صحيح مسلم (٣/ ١٣٤٣) رقم ١٧ (١٧١٨).

<<  <   >  >>