للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهذا واضح من كتاب النبي صلّى الله عليه وسلم إلى ملوك حمير، إذ جاء فيه «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاله، إنما هي زكاة تزكون بها أموالكم، هي لفقراء المسلمين والمؤمنين» «١» ، وفي كتابه إلى معاذ قال له: «فإن أجابوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» «٢» .

أمّا ما زاد عن الحاجة في منطقة والي الصدقة فكان يبعث به إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم في المدينة ليتم توزيعه على من يأتي من ذوي الحاجة، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يبعث إلى عمّاله ليمدوه بالمال اللازم لمواجهة مشكلة طارئة أو حاجة ملحة «٣» ، فقد كتب إلى العلاء بن الحضرمي (ت ١٤ هـ) «أما بعد: فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوي من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة» «٤» ، وكان الرسول صلّى الله عليه وسلم قد كتب إلى المنذر بن ساوى (ت ١١ هـ) : « ... أما بعد: فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة فادفع لهما ما اجتمع عندك من جزية» «٥» .

وكانت طريقة تحصيل الزكاة تتم بدفع مبلغ الزكاة إلى عامل الصدقة عندما يمر عليهم، وكانت طريقة الإقرار المباشر هي الوسيلة الأولى المتبعة في تقدير الزكاة من قبل عامل الصدقة، من توجيهات النبي صلّى الله عليه وسلم في هذا الشأن «إن حقّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئا فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه» «٦» . وفي هذا توجيه إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين المزكين والعاملين على الصدقة القائمة على الود والحب، لا التوتر والكراهية.

واتبع جباة الرسول صلّى الله عليه وسلم في تحصيلهم للزكاة طريقة «التقدير الجزافي» وهو ما عرف باسم «الخرص أو التخمين» «٧» وهذا يتم في حالة تقدير محصول الثمار، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة، ولقد أحاط الإسلام عملية الخرص بضوابط تحفظ حق الزكاة ولا تجحف بالمزكين، يشعر بذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «خففوا الخرص فإن في المال


(١) البلاذري، فتوح (ص ٩٤) .
(٢) البخاري، الصحيح (ج ٢، ص ١٥٩) .
(٣) القضاة، بيت المال (ص ٣٧) .
(٤) ابن سعد، الطبقات (ج ١، ص ٢٦٣) .
(٥) م. ن (ج ١، ص ٢٦٣) .
(٦) أبو عبيد، الأموال (ص ٥٥٨) .
(٧) الخرص: حزر ما على النخيل من الرطب تمرا، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يبعث الخراص على نخيل خيبر عند إدراك ثمرها فيحزرونه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج ٧، ص ٢١) .

<<  <   >  >>