للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للخلق في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى فهو في هذا المقام مبلغ وناقل عن رب العالمين كما ينقل الرواة لنا أحاديثه فالمحدثون ورثوا عنه هذا المقام كما ورث عنه المفتي الفتيا وإذا اتضح بهذا الفرق بين الراوي والمفتي لاح الفرق بين تبليغه عليه السلام عن ربه وبين فتياه في الدين بهذا الفرق بعينه

وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالحكم فهو مغاير للرسالة والفتيا لأن الرسالة تبليغ محض واتباع صرف وحكم إنشاء وإلزام من قبله عليه السلام بحسب ما ينسخ من الأسباب والحاجة ولذلك قال عليه السلام: "إنكم تختصمون ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له فشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما اقتطع له من النار١" دل على أن القضاء يتبع الحاجة وقوة اللحن به فهو عليه السلام في هذا المقام منشئ وفي الفتيا والرسالة مبلغ متبع وهو في الحكم أيضا متبع لأمر الله تعالى له بأن ينشئ الأحكام على وفق الحاجة والأسباب لأنه متبع في نقل ذلك الحكم عن الله تعالى لأن ما فوض إليه من أمر الله تعالى لا يكون منقولا عن الله تعالى وقد يفرق بين الحكم والفتيا بوجه آخر وهو أن الفتيا تقبل النسخ دون الحكم فإنه لا يقبل إلا النقض عند ظهور ما يترتب عليه الحكم وهذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعده فالفتيا لا تقبل النسخ لتقرر الشريعة

وأما الرسالة من حيث هي فلا تقبل النسخ ولا النقض وأما النبوة فهي الإيحاء لبعض الخلق بحكم الشيء له يختص به كما أوحى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ٢} فهذا تكليف يختص به قال العلماء فهذه نبوة وليست برسالة فلما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ٣} كان هذا رسالة لأنه تكليف يتعلق بغير الموحى إليه فوضح لك بهذا أن كل رسول ونبي من غير عكس وأما تصرفه عليه السلامة بالإمامة فهو


١ رواه البخاري كتاب ترك الجيل ٩/٣٢ والأحكام ٩/٨٦٠ ومسلم كتاب الأحكام ٣/١٣٣ من حديث أم سلمة – رضي الله عنها
٢ سورة العلق آية١-٢
٣ سورة المدثر آية ١-٢

<<  <  ج: ص:  >  >>