للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الفصل الرابع عشر عن (القائم) بأمر الدولة العثمانية، فإن المرء لا يكاد يجد في الكتاب ما يدل على أنه من تآليف القرن التاسع عشر. لقد عرفنا الأحداث التي عاشها أو عاصرها المؤلف في الجزائر ومصر، وفي العالم، وهي أحداث كبيرة سياسيا وعسكريا واجتماعيا، ومع ذلك لا نجده يشير إلى واحدة منها في الاحتجاج أو الاستشهاد. فلا الحملات الأجنبية على الجزائر في عهده، ولا سفرته إلى المغرب في مهمة، ولا الحملة الفرنسية على مصر تجد لها مكانا في كتابه المخصص لتنظيم الجنود وتقليد الأجانب فيما اخترعوه من أدوات، الحرب والقتال. وقد رأى تفوق هؤلاء الأجانب واضحا في حملة اللورد إكسموث الإنكليزي على الجزائر، وغارة الأسطول الأمريكي بقيادة ديكاتور على الأسطول الجزائري، في عرض البحر، ومقتل الريس (الضابط) حميدو الشهير، ورأى تفوقهم أيضا في حملة نابليون على مصر، وفي موقعة نافرينو. فلماذا كان يبحث في التاريخ البعيد عن الشواهد بينما شواهده حية معاشة أمامه؟ هل هي روح الكاتب العربي المسلم الذي يبتعد باستمرار عن الواقع هروبا منه وبحثا له عن مكان آمن في التاريخ السحيق؟

وعلى أية حال فقد وجدناه ينقل عن جده بعض الآراء، ويستشهد بكلام، غير مباشر أيضا، من حسين خوجة صاحب (بشائر أهل الإيمان)، والسراج صاحب (الحلل السندسية)، وكلاهما قريب نسبيا. كذلك وجدناه يستعمل عبارة غامضة وهي (وذلك ما لا يخفى على من جرب) بعد حديثه عن تصنيف الجند. وهي عبارة نفهم منها أنه هو المجرب المقصود، ولكنه لم يفصح عن ذلك بحادث أو حوادث من عصره. وفي حديثه عن الحساب والطب في الفصل الأخير نقل رأي (جمع من مشائخنا) في أنهما من العلوم المفروضة كفاية رغم (أنهما من علوم كفار الفلاسفة) (٤١)، حسب تعبيره. والواقع أن هذه الإشارات والنقول من حوادث العصر ورجاله تعطى، رغم ندرتها، للكتاب أهمية خاصة.


(٤١) من الغريب أن يؤيد ابن العنابي ذلك، وهو المطلع على الحضارة الإسلامية والعارف بدور العرب والمسلمين في تقدم الطب والحساب. فكيف يصبحان في نظره من علوم كفار الفلاسفة؟

<<  <   >  >>