للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يا سائلا حصر العلاقات التي ... وضع المجاز بها يصوغ ويجمل

ثم أخد في شرح هذا البيت من الوجوه التي ذكرناها. وعندما ينتهي من ذلك يأتي بالبيت الآخر وهكذا. وقد قال ابن العنابي عن (العلاقات) بأنها جمع علاقة، تقال على علاقة السيف ونحوها. فتكسر، وعلى الحب اللازم فتفتح أيضا. وقال عن الاتصال ما بين المعنى المستعمل فيه اللفظ وبين المعنى الموضوع له كاللازمية والملزومية وغير ذلك. وكانت البيت من النظم هي بمثابة الفصل من الكتاب إذ لم يقسم عمله إلى فصول وإنما اتخذ البيت هو الوحدة.

ويراد بالعلاقات الصلات بين الألفاظ والمعاني، سواء كانت خفية أو ظاهرة، فاسعمال النكرة بدل المعرفة، والعكس، واستعمال الماضي بدل المستقبل والعكس، واللجوء إلى مجاز المجاز، وفعل الأمر، وتغيير الخطاب، واستخدام الجموع قلة أو كثرة، صحيحة أو مكسورة، مذكرة أو مؤنثة، والمجيء بالخبر بمعنى الأمر، وذكر العاقل بدل غير العاقل، ونحو ذلك من صور المجاز هي التي تناولها ابن العنابي في هذا الكتاب. وقد حقق هذه الصور البيانية وأدارها على وجوهها بأسلوب أدبي جيد وتعمق في أسرار اللغة والتاريخ الأدبي وطرق البلاغة والذوق الفني.

وما يذكر أنه قدم هذا الكتاب إلى شيخه علي بن عبد القادر بن الأمين، مفتي المالكية في الجزائر مدة طويلة، فقرظه له بأبيات متكلفة غامضة ومكسورة، ولكنها تدل على الصلة بين الرجلين وتقدير الشيخ ابن الأمين لتلميذ، النجيب ابن العنابي. وقد أورد هذا تقريظ شيخه له في صدر كتابه مفتتحا بها هكذا: (الحمد لله، وصلاته على رسوله، هذه الأبيات لشيخنا علي بن الأمين عليه سحائب الرحة (٩)، قالها في حق هذا التأليف حين رآه.


(٩) توفي ابن الأمين ١٢٣٦، والانتهاء من الكتاب كان سنة ١٢٣١. وعبارة (عليه سحائب الرحمة) تدل على أن ابن العنابي وضع الأبيات في صدر كتابه بعد وفاة شيخه. والمعروف أن الشيخ ابن الأمين كان أيضا من متذوقي هذا الفن، وله رسالة في (أما بعد) أظهر فيها ذلك. انظر حديثنا عنها في كتابنا (تاريخ الجزائر الثقافي)، ج ٢، فصل الأدب.

<<  <   >  >>