للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والعلم والعمل لا مناص من الصبر عليهما، والصابر موعود بالجنان: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: ٢٤]، ولا ينال العلم إلا بالصبر على المكاره، وبذل النفوس في طلبه والتفاني فيه، قال ابن الجوزي (١): "ولقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبى آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت اللقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم".

وقال ابن كثير عن نفسه وهو يؤلف كتاب جامع المسانيد: "لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص (٢) حتى ذهب بصري معه" (٣).

ويقول أبو حاتم الرازي: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٤)، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة ماشياً، ثم إلى دمشق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى طرسوس، ثم رجعت إلى حمص، ثم منها إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق، كل هذا وأنا ابن عشرين سنة" (٥).

وبالنظر إلى عواقب الأمر يهون الصبر عن كل ما تشتهي وتكره.

ومن أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد ما جنى من غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم. قيل للإمام أحمد: "متى الراحة؟ قال: عند وضع أول قدم في الجنة". والله معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ وخلع الحول والقوة.


(١) صيد الخاطر ص١٥١.
(٢) ينونص: أي يرتفع ضوؤه وينخفض.
(٣) المصعد الأحمد في تم مسند الإمام أحمد ص٢٣، لمحمد بن الجزري.
(٤) الفرسخ: ٥.٥ كيلومتر تقريباً أي أنه قطع ٥.٥٠٠ كيلومتر على قدميه في تلك الرحلة في طلب العلم ثم بعد ذلك توقف عن حساب ما قطعه من المسافات.
(٥) طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٠٨.

<<  <   >  >>