للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سنين وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً، حتى أني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشعبذ، بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت وأكتبه، ولقد رفق بي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر (١) رحمه الله وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني (٢) ... ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويفترجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءاً وأقعد حُجزة (٣) من الناس إلى جانب الرِّقة فأتشاغل بالعلم، ثم ألهمت الزهد فسردت الصوم


(١) الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السَلاميّ البغدادي، ولد سنة ٤٦٧، وقرأ ما لا يوصف كثرة، وحصل الأصول، وجمع وألّف، وبَعُد صيته، وكان فصيحاً مليح القراءة، قوي العربية، جم الفضائل، توفي سنة ٥٥٠، رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): ٢٠/ ٢٦٥ - ٢٧١.
(٢) أي لصغره.
(٣) أي بعيداً عن الناس.

<<  <   >  >>