للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هذه المعجزة العظيمة تحدى الله بها الأولين والآخرين، ودعاهم للإتيان بمثله حين زعموا أن القرآن من كلامه - صلى الله عليه وسلم -، فقال تعالى: {أم يقولون تقَوَّله بل لا يؤمنون - فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صاادقين}) الطور: ٣٣ - ٣٤).

فلما أعجز المشركين أن يأتوا بمثله، تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات من عندهم، قال تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (هود: ١٣).

قال ابن كثير: "بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء ". (١)

فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة واحدة، قال تعالى: {وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (البقرة: ٢٣).

قال الطبري: " ومن حجة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على صدقه، وبرهانه على حقيقة نبوته، وأن ما جاء به من عندي [أي من عند الله]؛ عجز جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتم عن ذلك ـ وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة ـ فقد علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز". (٢)

ويبلغ التحدي القرآني غايته حين يخبر القرآن أن عجز المشركين عن محاكاة القرآن والإتيان بمثله عجز دائم لا انقطاع له، فيقول: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} (البقرة: ٢٤).

قال القرطبي: " قوله: {ولن تفعلوا} إثارةٌ لهممهم، وتحريكٌ لنفوسهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها". (٣)


(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٥٥).
(٢) جامع البيان (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٦٧).

<<  <   >  >>