للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ب- في المشترك اللفظي:

ما دام فقهاء اللغة يقررون أن الكلمة يكون له من المعاني بقدر ما لها من الاستعمالات، فإن كثرة الاستعمال التي لوحظت في المترادفات أو في إظهار الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي يظن فيها الترادف، هي تلك التي تلاحظ في الألفاظ المشتركة أو التي يظن فيها الاشتراك؛ فكما يتسع التعبير في العربية عن طريق الترادف -سواء أبولغ فيه فكان للمسمى الواحد ألوف من الأسماء، أم اقتصر منه على الأمور الهامة والتمست الفروق في سائره- لا بد أن يتسع التعبير عن طريق الاشتراك، سواء أسُلِّم وروده على سبيل الحقيقة، أم التُمست له معانٍ متطورة على سبيل المجاز.

ولعل تعريف أهل الأصول للمشترك هو أدق ما يحد به، فهو عندهم "اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة"١. ومثلوا له بعين الماء، وعين المال، وعين السحاب.

وإن شئت أن تختصر تعريفه أمكنك أن تقول: "المشترك هو ما اتحدت صورته واختلف معناه". ولولا تنوع الاستعمال لما تنوع معناه؛ لأن اتحاد صورته مع اتحاد استعماله ما كان لينتج إلا اتحاد معناه، ولكن الصورة وحدها تماثلت في المشترك، بينما تغايرت طرائق استعمالها، أما لتغاير البيئات اللغوية وإما لتفاوت المستعملين في مدى ولوعهم بالمجاز أو إيثارهم الحقيقة.

ولسنا نزعم أن العربية تنفرد بالمشترك اللفظي، ففي سائر اللغات ألفاظ مشتركة Homonymes يدرو النقاش حولها بين أصحاب الاشتراك ومنكريه، كما يدور مثله بين أصحاب الترادف ومنكريه. بيد أن كثرة المشترك النسبية في لغتنا -كالذي رأيناه من كثرة الترادف فيها نسبيًّا- هي التي تجعل بحث المشترك مندرجًا تحت اتساع العربية في التعبير على أنه خصيصة لا تنكر من خصائصها الذاتية.

ولئن توسع الأصمعي والخليل وسيبويه وأبو عبيدة٢ في إيراد الأمثلة على المشترك اللفظي في شواهد عربية لا سبيل إلى الشك فيها، فإن طائفة


١ المزهر ١/ ٣٦٩.
٢ سبقت تراجمهم جميعًا.

<<  <   >  >>