للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الاشتقاق الأكبر]

إن كل تكلف ارتكبه اللغويون في باب الاشتقاق بقسيمه السابقين: الأصغر والكبير، لا يعد شيئًَا إذا قيس بما اضطروا إلى ارتكابه لدى كل خطوة فيما سموه بالاشتقاق الأكبر.

إنهم هنا لا يواجهون مادةً تدل بترتيبها نفسه على معنًى، ولا يخالفون في ترتيبها فيقلبونها على وجوهها المحتملة, وتظل مع ذلك هي بأحرفها وأصواتها، فيعتقدون باتحاد مدلولها أو تقاربه؛ وإنما يواجهون أول الأمر مادة، ويلاقون آخر الأمر مادةً جديدة، فيستبدلون الثانية بالأولى، ويستعيضون بأصوات الثانية عن أصوات الأولى، لأن المخارج متقاربة، أو الصفات متماثلة، ولأن أخا الصوت كأنه الصوت نفسه، فلا فرق بين الأصل والفرع، ولا بين الصوت وصداه، فلك أن تتصور مدى التكلف الذي يقع فيه الاشتقاقيون عندما يؤكدون في مثل هذا الاشتقاق الأكبر أن الصورة "البدلية" لا بد أن تعوض الصورة "الأصلية" في مدلولها وإيحائها، مثلما عوضتها في صوتها وصداها؛ لأن المناسبة الطبيعية التي حملت الواضع على أن يضع لفظة "ع ص ر" لإفادة معنى الحبس، هي التي حملته أيضًا على أن يعبر عن المدلول نفسه بلفظ "أزل"، فالعين أخت الهمزة، والصاد أخت الزاي، والراء أخت اللام١.

ولقد اصطلحوا على أن الاشتقاق هو ارتباط بعض المجموعات الثلاثية الصوتية ببعض المعاني ارتباطًا عامًّا لا يتقيد بالأصوات نفسها, بل بترتبيها الأصلي والنوع الذي تندرج تحته, وحينئذ، متى وردت إحدى تلك المجموعات الصوتية على ترتيبها الأصلي فلا بد أن تفيد الرابطة


١ الخصائص ١/ ٥٤١.

<<  <   >  >>